والثاني: بمعنى قدامي، فعلى الوجه الأول يكون في موضع نصب على الحال من {الْمَوَالِيَ} ، وهي حال مقدرة محكية، أي: خَفُّوا مُتَوَقَّعًا مُتَصوَّرًا كونهم بعدي. وعلى الثاني: من صلة (خَفَّت) ، بمعنى: أنهم خفوا قدامه ودرجوا ولم يبق منهم مَنْ به تَقَوٍّ واعتضاد. و (وراء) يكون بمعنى خلف وبمعنى قدام، وله في التنزيل على هذين المعنيين نظائر.
وعن ابن كثير: (من ورايَ) بالقصر وفتح الياء كعَصاي وهُداي. قال أبو علي: والقصر الذي روي عن ابن كثير لم أعلم أحدًا حكاه من أهل اللغة ولعله لغة، ثم قال: وقد جاء في الشعر من قصر الممدود شيء كثير، وقياسه قياس رد الشيء إلى أصله، انتهى كلامه.
وقوله عز وجل: {وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا} أي: عقيمًا، يقال: عَقُرَتِ المرأةُ تَعْقُرُ بالضم فيهما عُقْرًا وعقارةً، إذا صارت عاقرًا، وهي التي لا تحبل، ورجل عاقر أيضًا: لا يولد له، بَيِّنُ العُقْرِ بالضم، والمعنى: وكنت قانطًا من الولد فيما سلف من الدهر لعقم امرأتي.
وقوله: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا} (من لدنك) فيه وجهان:
أحدهما: توكيد لكونه وليًا مرضيًا بكونه مضافًا إلى الله وصادرًا من عنده، وإلا فهب لي وليًا يرثني كافٍ.
والثاني: أنه أراد: اختراعًا منك بلا سبب، لأني وامرأتي لا نصلح للولادة. والولي: مَن يلي أمر صاحبه من بعده.
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (6) يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (7) } :
قوله عز وجل: {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} قرئ بالجزم فيهما على جواب شرط محذوف، أي: إنْ تهب يرث، وبالرفع فيهما على الصفة لولي، يقال: ورثت زيدًا وورثت من زيد، لغتان بمعنىً.
{وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} : (رضيًا) فعيل بمعنى مفعول، أي: واجعله يا رب مرضيًا عندك، بأن تجعله صالحًا تقيًا. وقيل: هو بمعنى فاعل، أي: راضيًا. ولام الكلمة على الوجهين واو.
وقوله: {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا} أي: نظيرًا ومِثْلًا يستحق مِثْل اسمه، وقيل: مساميًا يساميه، ولام الكلمة واو من سما يسمو.