وزكريا يشكو إلى ربه وهن العظم. وحين يهن العظم يكون الجسم كله قد وهن. فالعظم هو أصلب ما فيه ، وهو قوامه الذي يقوم به ويتجمع عليه. ويشكو إليه اشتعال الرأس شيبا. والتعبير المصور يجعل الشيب كأنه نار تشتعل ويجعل الرأس كله كأنما تشمله هذه النار المشتعلة ، فلا يبقى في الرأس المشتعل سواد.
ووهن العظم واشتعال الرأس شيباً كلاهما كناية عن الشيخوخة وضعفها الذي يعانيه زكريا ويشكوه إلى ربه وهو يعرض عليه حاله ورجاءه..
ثم يعقب عليه بقوله: {ألم أكن بدعائك رب شقياً} معترفاً بأن الله قد عوده أن يستجيب إليه إذا دعاه ، فلم يشق مع دعائه لربه ، وهو في فتوته وقوته. فما أحوجه الآن في هرمه وكبرته أن يستجيب الله له ويتم نعمته عليه.
فإذا صور حاله ، وقدم رجاءه ، ذكر ما يخشاه ، وعرض ما يطلبه.. إنه يخشى من بعده. يخشاهم ألا يقوموا على تراثه بما يرضاه. وتراثه هو دعوته التي يقوم عليها وهو أحد أنبياء بني إسرائيل البارزين وأهله الذين يرعاهم ومنهم مريم التي كان قيماً عليها وهي تخدم المحراب الذي يتولاه وماله الذي يحسن تدبيره وإنفاقه في وجهه.
وهو يخشى الموالي من ورائه على هذا التراث كله ، ويخشى ألا يسيروا فيه سيرته.. قيل لأنه يعهدهم غير صالحين للقيام على ذلك التراث..
{وكانت أمرأتي عاقراً} .. لم تعقب فلم يكن له من ذريته من يملك تربيته وإعداده لوراثته وخلافته.
ذلك ما يخشاه. فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح ، الذي يحسن الوراثة ، ويحسن القيام على تراثه وتراث النبوة من آبائه وأجداده: {فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب} .
ولا ينسى زكريا ، النبي الصالح ، أن يصور أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبرته: {واجعله رب رضيا} لا جباراً ولا غليظاً ، ولا متبطراً ولا طموعاً. ولفظة {رضي} تلقي هذه الظلال. فالرضي الذي يرضى ويرضي. وينشر ظلال الرضى فيما حوله ومن حوله.