(فصل)
قال السُّهْرَوَرْدي:
{وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي ... (48) }
استظهر بالعزلة على قومه.
قيل: العزلة نوعان: فريضة وفضيلة، فالفريضة العزلة عن الشر وأهله، والفضيلة عزلة الفضول وأهله.
ويجوز أن يقال: الخلوة غير العزلة؛ فالخلوة من الأغيار، والعزلة من النفس وما تدعو إليه وما يشغل عن الله، فالخلوة كثيرة الوجود، والعزلة قليلة الوجود.
قال أبو بكر الوراق: ما ظهرت الفتنة إلا بالخلطة من لدن آدم عليه السلام إلى يومنا هذا، وما سلم إلا من جانب الخلطة: وقيل السلامة عشرة أجزاء، تسعة في الصمت، وواحد في العزلة.
وقيل: الخلوة أصل. والخلطة عارض فليلزم الأصل، ولا يخالط إلا بقدر الحاجة، وإذا خالط لا يخالط إلا بحجة، وإذا خالط يلازم الصمت، فإنه أصل والكلام عارض، ولا يتكلم إلا بحجة، فخطر الصحبة كثير يحتاج العبد فيه إلى مزيد علم، والأخبار والآثار في التحذير عن الخلطة والصحبة كثيرة، والكتب بها مشحونة.
وقد رغب جمع من السلف في الصحبة والأخوة في الله ورأوا أن الله تعالى منَّ على أهل الإيمان حيث جعلهم إخواناً، فقال سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَآءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً} (آل عمران: الآية 103) وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ * وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّآ أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} (الأنفال: الآيتان 62، 63)
وقد اختار الصحبة والأخوة في الله تعالى سعيد بن المسيب وعبد الله بن المبارك وغيرها.
وفائدة الصحبة: أنها تفتح مسامّ الباطن، ويتكسب الإنسان بها علم الحوادث والعوارض: قيل: أعلم الناس بالآفات أكثرهم آفات، ويتصلب الباطن برزين العلم، ويتمكن الصدق بطروق هبوب الآفات، ثم التخلص منها بالإيمان، ويقع بطريق الصحبة والأخوة والتعاضد والتعاون، وتتقوى جنود القلب. وتستروح الأرواح بالتشام، وتتفق في التوجه إلى الرفيق الأعلى، ويصير مثالها في الشاهد كالأصوات إذا اجتمعت خرقت الأجرام، وإذا تفردت قصرت عن بلوغ المرام.
ورد في الخبر عن رسول الله: «المؤمن كثير بأخيه» .