{فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سرياً. وهزى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطباً جنياً. فكلي واشربي وقري عيناً ، فإما ترين من البشر أحداً فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً فلن أكلم اليوم إنسيا} ..
يا لله! طفل ولد اللحظة يناديها من تحتها. يطمئن قلبها ويصلها بربها ، ويرشدها إلى طعامها وشرابها. ويدلها على حجتها وبرهانها!
لا تحزني.. {قد جعل ربك تحتك سرياً} فلم ينسك ولم يتركك ، بل أجرى لك تحت قدميك جدولاً سارياً الأرجح أنه جرى للحظته من ينبوع أو تدفق من مسيل ماء في الجبل وهذه النخلة التي تستندين إليها هزيها فتساقط عليك رطباً. فهذا طعام وذاك شراب. والطعام الحلو مناسب للنفساء. والرطب والتمر من أجود طعام النفساء. {فكلي واشربي} هنيئاً. {وقري عيناً} واطمئني قلباً. فأما إذا واجهت أحداً فأعلنيه بطريقة غير الكلام ، أنك نذرت للرحمن صوماً عن حديث الناس وانقطعت إليه للعبادة. ولا تجيبي أحداً عن سؤال..
ونحسبها قد دهشت طويلاً ، وبهتت طويلاً ، قبل أن تمد يدها إلى جذع النخلة تهزه ليساقط عليها رطباً جنياً.. ثم أفاقت فاطمأنت إلى أن الله لا يتركها. وإلى أن حجتها معها.. هذا الطفل الذي ينطلق في المهد.. فيكشف عن الخارقة التي جاءت به إليها..
{فأتت به قومها تحمله.. !} .. فلنشهد هذا المشهد المثير:
إننا لنتصور الدهشة التي تعلو وجوه القوم ويبدو أنهم أهل بيتها الأقربون في نطاق ضيق محدود وهم يرون ابنتهم الطاهرة العذراء الموهوبة للهيكل العابدة المنقطعة للعبادة.. يرونها تحمل طفلاً!
{قالوا: يا مريم لقد جئت شيئا فريا. يا أخت هارون ما كان أبوك أمرأ سوء ، وما كانت أمك بغياً!}
إن ألسنتهم لتنطلق بالتقريع والتأنيب: {يا مريم لقد جئت شيئاً فرياً} فظيعاً مستنكراً.