والمعنى: أي لا يحزنك أيها الرسول تكذيب المشركين لك فيما أتيتهم به من الحق، فإن إلينا مرجعهم ومصيرهم ومصير الخلق أجمعين، ونحن وارثو الأرض ومن عليها من الناس بعد فنائهم، ثم نجازي كلّ نفسٍ بما عملت حينئذٍ، فنجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته {لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} وقرأ الجمهور: {يُرْجَعُونَ} بالياء من تحت مبنيًا للمفعول، والأعرج: بالتاء من فوق، وقرأ السلميّ، وابن أبي إسحاق، وعيسى: بالياء من تحت مبنيًا للفاعل، وحكى الدانيّ عنهم بالتاء.
41 -قوله: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ} معطوف على قوله: {وَأَنْذِرْهُمْ} ؛ أي: واتل يا محمد على قومك في القرآن، أو في هذه السورة {إِبْرَاهِيمَ} ؛ أي: قصة إبراهيم الخليل - عليه السلام - ونبأه وبلغها إياهم، كقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (69) } وذلك أن أهل الملل كانوا يعترفون بفضله، ومشركو العرب يفتخرون بكونهم من أبنائه، فأمر الله تعالى حبيبه - عليه السلام - أن يخبرهم بتوحيده الذي هو ملة إبراهيم، ليقلعوا عن الشرك، فعساهم باستماع قصته يتركون ما هم فيه من القبائح، وجملة قوله {إِنَّهُ كَانَ} ؛ أي: إن إبراهيم كان {صِدِّيقًا} ؛ أي: ملازمًا للصدق في كل ما يأتي وما يذر، مبالغًا فيه قائمًا به في جميع الأوقات {نَبِيًّا} ؛ أي: رفيع القدر عند الله، وعند الناس، فلا رفعة أعلى من رفعة من جعله الله واسطةً بينه وبين عباده، تعليل لما تقدم من الأمر لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يذكره، وهي معترضة بين البدل الآتي والمبدل منه، وقرأ أبو البرهشيم {إنه كان صادقًا} وقوله: {نَبِيًّا} خبر آخر لكان مقيد للأول، مخصص له أي: كان جامعًا بين الصديقية والنبوة، وذلك أن الصديقية تلو النبوة، ومن شرطها أن لا يكون نبيًا إلا وهو صديق، وليس من شرط الصديق أن يكون نبيًا، ولأرباب الصدق مراتب: صادق، وصدوق، وصديق، فالصادق من صدق في قيامه مع الله بالله وفي الله، وهو الفاني عن نفسه، والباقي بربه، والفرق بين الرسول والنبي: أن الرسول من بعث لتبليغ الأحكام ملكًا كان أو إنسانًا، بخلاف النبي فإنه مختص بالإنسان.