فهرس الكتاب
وجيء بفعل الإعطاء للتنبيه على أنّ الخلق والتكوين نعمة ، فهو استدلال على الربوبية وتذكير بالنعمة معاً.
ويجوز أن يكون الخلق بالمعنى الأخصّ ، وهو الخَلق على شكل مخصوص ، فهو بمعنى الجَعْل ، أي الذي أعطى كل شيء من الموجودات شكله المختصّ به ، فكُونت بذلك الأجناسُ والأنواع والأصناف والأشخاص من آثار ذلك الخلق.
ويجوز أن يكون {كُلَّ شَيْءٍ} مفعولاً ثانياً ل {أعطى} ومفعوله الأول {خَلْقَهُ} ، أي أعطى خلقه ما يحتاجونه ، كقوله: {فأخرجنا به نبات كل شيء} [الأنعام: 99] .
فتركيب الجملة صالح للمعنيين.
والاستغراق المستفاد من (كلّ) عُرفي ، أي كل شيء من شأنه أن يعطاه أصنافُ الخلق ويناسب المعطي ، أو هو استغراق على قصد التوزيع بمقابلة الأشياء بالخلق ، مثل: ركب القوم دوابّهم.
والمعنى: تأمل وانظر هل أنتَ أعطيت الخَلق أوْ لاَ؟ فلا شك أنه يعلم أنّه ما أعطى كلّ شيء خلقه ، فإذا تأمل علم أن الرب هو الذي أفاض الوجود والنّعم على الموجودات كلّها ، فآمن به بعنوان هذه الصفة وتلك المعرفة الموصّلة إلى الاعتقاد الحق.
و (ثُم) للترتيب بمعنييْه الزمني والرتبي ، أي خلق الأشياء ثمّ هدى إلى ما خلقهم لأجله ، وهداهم إلى الحق بعد أن خلقهم ، وأفاض عليهم النّعم ، على حد قوله تعالى: {ألم نجعل له عينين ولساناً وشفتين وهديناه النجدين} [البلد: 8 10] أي طريقي الخير والشرّ ، أي فرّقنا بينهما بالدلائل الواضحة.
قال الزمخشري في"الكشاف":"ولله درّ هذا الجواب ما أخصره وما أجمعه وما أبينه لمن ألقى الذهن ونظر بعين الإنصاف وكان طالباً للحق".
{قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى (51) }
والبال: كلمة دقيقة المعنى ، تطلق على الحال المهمّ ، ومصدره البالة بتخفيف اللاّم ، قال تعالى: {كفّر عنهم سيّآتهم وأصلح بالهم} [محمد: 2] ، أي حالهم.
وفي الحديث"كل أمر ذي بال..."