ورَوَى كعبٌ ، أنه قال لعمرَ: أجدُكَ مصْراعَ الفتنة ، فإذا فُتحَ لم يغلق
أبدًا.
قوله تعالى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ(49)
فأمَّا خشية اللَّهِ مي الغيب والشهادةِ فالمعنيُّ بهما: أن العبدَ يخْشَى اللَّه سرًّا
وعلانيةً وظاهرًا وباطنًا ، فإنًّ أكثر الناسِ يرى أنه يخشَى اللَّهَ في العلانيةِ وفي
الشهادةِ ، ولكن الشأنَ في خشية اللَّه في الغيبِ إذا غابَ عن أعينِ الناسِ.
وقد مدحَ اللَّه من يخافهُ بالغيبِ قالَ تعالى: (الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) ، وقال: (مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ(33) .
وقال تعالى: (لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ) .
وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كبِيرٌ) .
وقد فُسِّر الغيبُ في هذه الآياتِ بالدنيا لأن أهلها في غيبٍ عمَّا وعِدُوا به
في الآخرة ، وأما في هذا الحديثِ فلا يتأتَّى ذلكَ ، كما ترى لمقابلتِهِ بالشهادةِ ، كان بعضُ السلفِ يقول لإخوانِهِ: زهَّدنا اللَّه وإياكُم في الحرامِ زهادةَ من قدرَ عليهِ في الخلوةِ فعلِمَ أنَّ اللَّه يراهُ فتركَهُ.
ومن هذا قول بعضِهِم: ليسَ الخائفُ من بكى وعصر عينيه ، إنَّما الخائفُ
من تركَ ما اشتَهى من الحرامِ إذا قدرَ عليه ، ومن هنا عَظُمَ ثواب من أطاعَ
اللَّهَ ، سرًّا بينه وبينه ، ومن تركَ المحرماتِ التي يقدرُ عليها سرًّا.
فأمَّا الأولُ فمثلُ قولِهِ تعالى: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) إلى قولهِ:
(فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) .
قال بعض السلفِ: أخفوا للَّهِ العملَ فأخفى لهم الأجر.
وفي حديثِ السبعةِ الذين يظلهم اللَّه في ظلِّه يومَ لا ظلَّ إلا ظلُّه ،"رجل"