قال عبد العزيز الكناني:"وكان خلف ظهري وأنا في مجلس أمير المؤمنين المأمون أناظر بشرا المريسي على ما سأذكره في هذا الكتاب رجل ممن يعرف بالكلام والنظر، فجعل كلما سكت بشر وانقطع يحرضه على الكلام، وإذا أردت أنا أن أتكلم لا يزال يهذي خلفي ويقرب رأسه من أذني ليسمعني ويدهشني ويقطعني بذلك عن حجتي، فشكوت إلى أمير المؤمنين ذلك فصاح به وباعده عني، فلما قلت لبشر: ما من شيء كان أو هو كائن مما يحتاج الناس إلى معرفته وعلمه إلا وقد ذكره الله عز وجل في كتابه عقله من عقله، وجهله من جهله"، فإذا ذلك الرجل يضرب يده على فخذه ويقول:"يا سبحان الله تزعم أن كل ما هو كائن مما يحتاج إليه قد ذكره الله ما أعظم هذا وكيف يعلم ما هو كائن فيذكره"؟
قال عبد العزيز:"فالتفت إليه فقلت له أنت جهمي قدري أيضا وأنت تهذي دائما، ثم أقبلت على المأمون فقلت: يا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك إن هذا الذي شكوت إليك أذاه منذ اليوم. هو جهمي قدري قد جمع الأمرين من جهتين، ينكر أن يكون الله يعلم ما يكون قبل أن يكون"، فقال المأمون؟ هذا قوله، فقلت له:"إن رأي أمير المؤمنين أطال الله بقاءه أن يأذن لي حتى أكذبك وأكسر قوله وأدحض حجته وأبطل مذهبه بنص التنزيل الساعة".
فقال المأمون:"لهذا وقت غير هذا ومجلس غير هذا تتكلم معه ومع غيره في القدر خاصة".
قال عبد العزيز: فقلت:"يا أمير المؤمنين ليس أطول إنما أحتج عليه بآية واحدة. فقال المأمون: قل ما تريد".
قال عبد العزيز فقلت له:"أتنكر أن الله يعلم ما يكون قبل أن يكون". قال:"نعم. أنا أنكر هذا". فقلت:"والله يا أمير المؤمنين لقد علم الله ما لم يكن، ولا يكون أن لو كان كيف كأن يكون. فصاح الرجل ما أجرأك على الكذب الحمد لله الذي أخذك بلسانك".
فقال لي المأمون:"أعد هذا الكلام يا عبد العزيز. فقلت له: نعم والله لقد علم الله ما لم يكن ولا يكون أن لو كان كيف كأن يكون".