ويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: أعني الذين ظلموا. مفعول به لفعل محذوف تقديره:"أعني".
الإعراب الثالث: وأجاز الفراء أن يكون خفضًا بمعنى: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم، ولا يوقف على هذا الوجه على (النَّجْوَى) .
الوجه الثاني: الواو في (أسروا) ليست فاعلًا لكنها علامة للجمع.
قال سيبوية: اعلم أن من العرب من يقول: ضربوني قومُك، وضرباني أخواك، فشبّهوا هذا بالتاء التي يُظهرونها في قالت فُلانة، وكأنهم أرادوا أن يجعلوا للجمع علامةً
كما جعلوا للمؤنّث، وهي قليلة؛ قال الشاعر وهو الفرزدق:
ولكنْ دِيافيٌّ أبوه وأمُّه ... بحَورانَ يعصِرنَ السّليطَ أقاربُهْ.
وتزاد الواو في الفعل علامة للجمع والضمير نحو: الرجال يقومون ويقعدون، وتزاد علامة للجمع مجردة من الضمير في قول بعض العرب: أكلوني البراغيث، وعلى هذا أحد وجهي ما تأولت عليه الآية: {وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا} فيمن لم يجعل في (أَسَرُّوا) ضميرًا، ومثل ذلك سواء قوله تعالى: {ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ} (المائدة: 71) ، وقال الشاعر:
يلومونني في اشتراء النخيل ... أهلي وكلُّهم أَلْوَمُ.
الوجه الثالث: (الذين ظلموا) تفسير للضمير في (أسروا) .
الإضمار على شريطة التفسير:
وذلك مثلُ قولِهم: أكرمَني وأكرمتُ عبد اللَّه. أردتَ: أكرَمني عبدُ اللَّه وأكرمتُ عبد اللَّه، ثم تركتَ ذكرَه في الأوّل استغناءً بذكره في الثاني. .
وضابط هذا الأسلوب هو أن تأتي بالضمير أولًا ثم تفسره بعد ذلك بذكر مرجعه، ومن أمثلته شعرًا قول الشاعر:
هي الدنيا تقول بملء فيها ... حذار حذارِ من بطشي وفتكي
ولا يغرُركمُ منى ابتسام ... فقولي مضحك والفعل مبكي
وتخريج الآية على هذا الأسلوب سائغ، فقد أتى بالضمير أولًا (وَأَسَرُّوا) ثم فسره ثانيًا بـ (الَّذِينَ ظَلَمُوا) .
وبلاغة هذا الأسلوب هي تحريك الشعور، وتشويق النفس إلى عقبى الكلام كيف
تكون، فيتمكن المعنى في النفوس كل التمكن؛ لأن النفس إذا ظفرت بالشيء بعد انتظاره استقر ذلك الشيء فيها.
الوجه الرابع: التوجيه البلاغي.