فالكَوْن من حولك يسير بأمر خالقه ، منضبط لا يتخلف منه شيء ، فلو أخذتَ مثلاً سنة كاملة 365 يوماً ، ثم حاولتَ أنْ تعيدها في عام آخر لوجدتَ أن الشمس طلعتْ في اليوم الأول من نفس المكان ، وفي اليوم الثاني من نفس مكان اليوم الثاني ، وهكذا بدقة متناهية ، سبحان خالقها .
لذلك ؛ فالذين يضعون التقويم لمعرفة الأوقات يضعون تقويم ثلاث وثلاثين سنة يُسجِّلون دورة الفلك ، ثم يتكرر ما سجَّلوه بانضباط شديد ، ومن ذلك مثلاً إذا حدَّد العلماء موعد الكسوف أو الخسوف أو نوعه جزئي أو حَلْقي ، فإذا ما تابعته وجدته منضبطاً تماماً في نفس موعده ، وهذا دليل على انضباط هذا الكون وإحكامه ؛ لأنه لا تدخلُّ لنا فيه أبداً .
وفي المقابل انظر إلى أيِّ شيء للإنسان فيه تدخّل: فمثلاً نحن يكيل بعضنا لبعض ، ويزن بعضنا لبعض ، ويقيس بعضنا لبعض ، ويخبز بعضنا لبعض ، ويبيع بعضنا لبعض . . الخ انظر إلى هذه العلاقات تجدها - إلاّ ما رحم الله - فاسدة مضطربة ، ما لم تَسِرْ على منهج الله ، فإن سارت على منهج الله استقامت كاستقامة السماء والأرض .
إذن: كلما رأيتَ شيئاً فاسداً شيئاً قبيحاً فاعلم أن الإنسان وضع أنفه فيه .
وكأن الخلق - عز وجل - يقول للإنسان: أنت لستَ أميناً حتى على نفسك ، فقد خلقتُ لك كل هذا الكون ، ولم يشذ منه شيء ، ولا اختلَّتْ فيه ظاهرة ، أمّا أنت - لأنك مختار - فقد أخللْتَ بنفسك وأتعبتها .
فاعلم أن المسائل عندي أنا آمَنُ لك ، فإذا أخذتُك من دنيا الأسباب إلى الآخرة وإلى المسبِّب ، فأنا أمين عليك أُنعمك نعيماً لا تعبَ فيه ولا نصبَ ولا شقاء ، وإنْ كنت تخدم نفسك في الدنيا ، فأنا أخدمك في الآخرة ، وأُلبِّي لك رغبتك دون أن تُحرِّك أنت ساكناً .
إذن: لو أنني شغلت نفسي بمَنْ يملكني وهو الله تعالى لاستقام لي ما أملكه .