ولما كان الأصل فيما بعد كل من"إلا"و"غير"أن يكون من جنس ما قبلهما وإن كان مغايراً له في العين ، صح وضع كل منهما موضع الآخر ، واختير هنا التعبير بأداة الاستثناء والمعنى للصفة إذ هي تابعة لجميع منكور غير محصور الإفادة إثبات الإلهية له سبحانه مع النفي عما عداه ، لأن {لولا} - لما فيها من الامتناع - مفيدة للنفي ، فالكلام في قوة أن يقال"ما فيهما" {ءالهة إلا الله} أي مدبرون غير من تفرد بصفات الكمال ، ولو كان فيهما آلهة غيره {لفسدتا} لقضاء العادة بالخلاف بين المتكافئين المؤدي إلى ذلك ، ولقضاء العقل بإمكان الاختلاف اللازم منه إمكان التمانع اللازم منه إمكان عجز أحدهما اللازم منه أن لا يكون إلهاً لحاجته ، وإذا انتفى الجمع ، انتفى الاثنان من باب الأولى ، لأن الجمع كلما زاد حارب بعضهم بعضاً فقل الفساد كما نشاهد.
ولما أفاد هذا الدليل أنه لا يجوز أن يكون المدبر لها إلا واحداً ، وأن ذلك الواحد لا يكون إلا الله قال: {فسبحان الله} أي فتسبب عن ذلك تنزه المتصف بصفات الكمال {رب العرش} أي الذي هو نهاية المعلومات من الأجسام ، ورب ما دونه من السماوات والأراضي وما فيهما المتفرد بالتدبير ، كما يتفرد الملك الجالس على السرير {عما يصفون} مما يوهم نقصاً ما ، ثم علل ذلك بقوله: {لا يسأل} أي من سائل ما {عما يفعل} أي لا يعترض عليه لأنه لا كفوء له في علم ولا حكمة ولا قدرة ولا عظمة ولا غير ذلك ، فليس في شيء من أفعاله لإتقانها موضع سؤال ، فمهما أراد كان ومهما قال فالحسن الجميل ، فلو شاء لعذب أهل سماواته وأهل أرضه ، وكان ذلك منه عدلاً حسناً ، وهذا مما يتمادح به أولو الهمم العوال ، كما قال عامر الخصفي في هاشم بن حرملة بن الأشعر:
أحيا أباه هاشم بن حرملة ...
يوم الهباءات ويوم اليعمله
ترى الملوك عنده مغربلة ...
يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له