فهرس الكتاب
يكاد يكون الخير أمرا بدهيا ، لكثرة إلف الناس له ، وإحساسهم به ..
فهو لهذا لا يكاد يضبط أو يحصر داخل حدّ محدود .. إنه مشاع فِي الناس ، واقع فِي إحساسهم .. كل يراه من الأفق الذي يعيش فيه .. فيبدو لبعض الناس فِي صورة المتاع الجسدى من طعام وشراب ، ولباس ، وغير هذا مما هو من حظ الجسد ، على حين يراه آخرون فِي ألوان من الأدبيّات ، التي تعلو بالروح ، وتسمو بالوجدان .. وبين هذه الآفاق الصاعدة والآفاق النازلة ، درجات لا تكاد تحصى ، وتكاد تكون على تعداد الناس .. فردا فردا ..
ولكن إذ قد اختلفت معابير الناس فِي الخير - وهذا أمر طبيعى - لاختلاف رغباتهم ، وتنوع مطالبهم ، فليس معنى
هذا ألا يكون هناك خير ، وإنما هذا الاختلاف فِي ذاته ، دليل على وجوده! ولعل أول إحساس بالخير ، جاء عن طريق إحساس ماديّ ، يقع على الجسد من أمور تتصل بحاجات الإنسان الجسدية ، التي تمسك عليه الحياة ، وتدفع عنه أسباب الفناء فالشيء الذي كان يسدّ حاجة الإنسان البدائى ، ويشبع جوعته - أيا كان هذا الشيء - هو خير وخير كثير ..
من أجل هذا كانت تلك الموجودات من حيوان أو نبات أو جماد ، معبودات للإنسان الأول ، حيث ظهرت له ، فِي صورة نافعة أو ضارة ، وذلك ليرجو خيرها ، ويدفع شرها ..
ومن هنا كان تعدد الآلهة التي عبدها الإنسان فِي خطواته الأولى فِي الحياة .. فعبد كل شيء ، إذ كان يرى مصيره مرتبطا به ، فِي مجال النفع والضر على السواء ..
ثم حين خطا الإنسان خطوات إلى الحياة ، وتعرف على وجوه الأشياء ، وأخضعها لسلطانه - ترك عبادتها شيئا فشيئا ، ثم ما زال بها يدفعها عن مقام التأليه والتقديس حتى انتهى به الأمر إلى جمعها جميعا تحت دائرتين: دائرة تسع كل ما هو خير ، وأخرى تجمع كلّ ما هو شر ..
فالخير جميعه يصدر عن قوة عليا ، كما أن الشرّ كله يصدر عن جهة عليا كذلك ، تناظر قوة الخير ، وتقابلها ..