لن نضيق عليه بسَبَب هذه المفارقة ولذا تجاسر عليه بدون أمرنا أو لن نقضي عليه بالعقوبة
أي بالمؤاخذة بسَبَب هذه الزلة ومآل الوَجْهَيْن واحد؛ إذ التضييق إنما هُوَ بالمؤاخذة والعقوبة
يستلزم التضييق. قوله من القدر عَلَى الوَجْهَيْن لا من القدرة فإنه لا يليق ولا يصح لأحد ظن
ذلك فضلًا لنبي الله تَعَالَى إلا بضرب من التأويل كما سيجيء.
قوله: (أو لن [نعمل] فيه قدرتنا) هذا شروع في بيان أنه من القدرة مع تأويل بأنه مجاز
بطَريق ذكر السبب وإرادة المسبب وهو إعمال القدرة وإظهارها وهذا الظن حسن الظن باللَّه
تَعَالَى مثل الأولين فلا يضر منصب النبوة.
قوله:(وقيل هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لن نقدر عليه في مراغمته قومه من
غير انتظار لأمرنا)أي أنه من القدرة أَيْضًا لكنه اسْتعَارَة تمثيلية كما قرره فظن عدم القدرة
ليس صادرًا منه عَلَيْهِ السَّلَامُ بل صادر ممن لم يعرف الله تَعَالَى فشبه حاله عَلَيْهِ السَّلَامُ فهو
مفارقته عن قومه بدون إذن من الله تَعَالَى بحال من ظن ذلك فذكر لفظ المشبه به وأريد
المشبه فلا ضير فيه أَيْضًا. قوله في مراغمته في معاداته وبعده عنهم بلا أمر منه تَعَالَى.
قوله: (أو خطرة شيطانية سبقت إلَى وهمه فسمي ظنًا للمُبَالَغَة) أو خطرة أي عدم
قدرته تَعَالَى خطرة شيطانية. أي خطورها بوسوسة سبقت إلَى وهمه بلا اختار ولا تقرر ولا
لوم فيه فحِينَئِذٍ لا اسْتعَارَة فيه لكن ظن مجاز عن الوهم للمُبَالَغَة في قوة تلك الخطرة
والأولى الوجهان الأولان والسكوت عن مثل هذه التكلفات لا سيما عن الوجه الأخير
بمنزلة الواجب.
قوله: (وَقُرئَ بالياء وقرأ يعقوب على البناء للمفعول وقرئ به مثقلًا) لن نقدر من
التقدير وهذا يؤيد التَّفْسير الثاني؛ إذ التقدير بمعنى القضاء فعليك به.
قوله: (فنادى) أي نقضي أو قضينا المؤاخذة بالنبذ في بطن الحوت
على ما نطق به النص الكريم في أواخر سورة والصافات (فنادى) الآية.
قوله: (في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل) في
الظلمة الشديدة الْمُرَاد ظلمة واحدة لكن لشدتها كأنها ظلمات وهي ظلمه البحر كما هُوَ
الظَّاهر أو ظلمات بطن الحوت الخ. فحِينَئِذٍ الجمع عَلَى ظاهره وهو الْمُخْتَار.
قوله: (بأنه(لَا إلَهَ إلَّا أنت) بأنه أَشَارَ إلَى أنه مخففة من الثقيلة
بتقدير الجار وهذا تفنن منه حيث اكتفى به هنا وفي أكثر المواضع اختار كون أن تفسيرية
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * *
قوله: في الظلمة الشديدة المتكاثفة أو ظلمات بطن الحوت والبحر والليل فالجمع عَلَى
الوجه الأول باعْتبَار كيفية الظلمة وعلى الثاني باعْتبَار كميتها.