[النور: 55] وقيل: الأرض المقدسة يرثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم عند نزول عيسى ابن مريم {إن في هذا} الذي ذكر في السورة من الأخبار والوعد والوعيد وغير ذلك {لبلاغاً} لكفاية {لقوم عابدين} عاملين بما ينبغي عمله من الخيرات بعدما عملوا من كيفية أدائها. والبلاغ ما يبلغ به المرء مطلوبه من الوسائط والوسائل ، ولا مطلوب أجل من سعادة الدارين فكل من كان وسيلة إلى نيل هذا المطلوب على الوجه الأتم الأكمل كان وجوده رحمة من الله للطالب المتحير وما ذاك إلا خاتم النبيين فلهذا قال {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} وكونه رحمة للكل لا ينافي قتله بعض الكفرة والتعرض لأموالهم وأولادهم كما أن كي بعض أعضاء المريض بل قطعه لا ينافي حذق الطبيب وإشفاقه على المريض ومن هنا قيل: آخر الدواء الكي. والعاقل لا ينسب التقصير إلى الفاعل لقصور في القابل. قالت المعتزلة: لو كان الكفر الكافر بخلق الله لم يكن إرسال الرسول رحمة له لأنه لا يحصل له حينئذ إلا لزوم الحجة عليه. وأجيب بأنه كونه رحمة للفجار هو أنهم أمنوا بسببه عذاب الاستئصال ، ولا يلزم أن يكون الرسول رحمة للمؤمنين من جهة كونه رحمة للكافرين ، والجواب المحقق أن كونه رحمة عامة بالنسبة غلى أمة الدعوة لا ينافي كونه رحمة خاصة بالنسبة إلى أمة الإجابة وهو قريب مما ذكرناه أولاً ، والحجة وتبعتها لازمة على الكافر وإن لم يبعث النبي غايته أنها بعد البعثة ألزم. وفي الآية دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أفضل من الملائكة لأنه رحمة لهم فإنهم من العالمين وعورض بقوله {ويستغفرون لمن في الأرض} [الشورى: 5] والاستغفار رحمة. والجواب أن الرحمة بمعنى كونه في نفسه مكملاً في الغاية غير الرحمة بمعنى الدعاء ، فلا يلزم من كون الأول سبباً للأفضلية كون الثاني كذلك ، ثم بين أن أصل تلك الرحمة وأسها هو دعاؤه إلى التوحيد والبراءة عن الشرك فقال {قال إنما يوحى إلي} إن كانت