فهرس الكتاب
سخط شيئاً من أمره منذ ما آتاه الله ما آتاه إلى يومكم هذا ولا أنه نزع شيئاً منه من الكرامة التي أكرمه بها ، ولا أنّ أيوب قال على الله غير الحق في طول ما صحبتموه إلى يومكم هذا ، فإن كان البلاء هو الذي أزرى به عندكم ووضعه في أنفسكم فقد علمتم أن الله تعالى يبتلي المؤمنين والصدِّيقين والشهداء والصالحين ، وليس بلاؤه لأولئك على سخطه عليهم ، ولا لهوانه لهم ، ولكنها كرامة وخبرة لهم ، ولو كان أيوب ليس من الله بهذه المنزلة إلا أنه أخ آخيتموه على وجه الصحبة لكان لا يجمل بالحكيم أن يعذل أخاه عند البلاء ولا يعيره بالمصيبة ، ولا يعيبه بما لا يعلم وهو مكروب حزين ، ولكنه يرحمه ويبكي معه ، ويستغفر له ، ويحزن لحزنه ويدله على أرشد أمره ، وليس بحكيم ولا رشيد من جهل هذا ، فالله الله أيها الكهول ، فقد كان في عظمة الله وجلاله وذكر الموت ما يقطع ألسنتكم ، ويكسر قلوبكم ، ألم تعلموا أنّ لله عباداً أسكتتهم خشيته من غير عيّ ، ولا بكم ، وإنهم لهم الفصحاء البلغاء النبلاء الألباء العالمون بالله ، ولكنهم إذا ذكروا عظمة الله انقطعت ألسنتهم ، واقشعرّت جلودهم ، وانكسرت قلوبهم ، وطاشت عقولهم إعظاماً لله وإجلالاً له ، فإذا استفاقوا من ذلك استبقوا إلى الله بالأعمال الزاكية يعدّون أنفسهم مع الظالمين والخاطئين ، وإنهم لأبرار براء ، ومع المقصرين المفرطين ، وإنهم لأكياس أقوياء.