لكم بهذا التدريج
قدرتنا وحكمتنا ، وإنّ من قدر على خلق البشر من التراب والماء أوّلاً ، ثم من نطفة ثانياً ، ولا تناسب بين التراب والماء وقدر على أن يجعل النطفة علقة وبينهما تباين ظاهر ، ثم يجعل العلقة مضغة والمضغة عظاماً قدر على إعادة ما أبدأه بل هو أدخل في القدرة من تلك وأهون في القياس ، وورود الفعل غير معدّى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يحيط به الوصف ولا يكتنهه الذكر {ونقرّ في الأرحام} أي: من ذلك الذي خلقناه {ما نشاء} إتمامه {إلى أجل مسمى} هو وقت الوضع وأدناه بعد ستة أشهر وأقصاه آخر أربع سنين بحسب قوّة الأرحام وضعفها ، وقوّة المخلقات وضعفها وكثرة تغذيه من الدماء ، وقلته إلى غير ذلك من أحوال وشؤون لا يعلمها إلا باريها جلت قدرته وتعالت عظمته ، وما لم نشأ إقراره مجته الأرحام وأسقطته دون التمام ، أو تحرقه فيضمحل.
المرتبة الخامسة: قوله تعالى: {ثم نخرجكم طفلاً} وهو معطوف على نبين ، ومعناه خلقناكم مدرّجين هذا التدريج لغرضين أحدهما: أن نبين قدرتنا ، والثاني: أن نقرّ في الأرحام من نقرّ حتى تولدوا في حال الطفولية من صغر الجثة وضعف البدن والسمع والبصر ، وجميع الحواس لئلا تهلكوا أمهاتكم بكبر أجرامكم وعظم أجسامكم.
المرتبة السادسة: قوله تعالى: {ثم} أي: نمدّ أجلكم {لتبلغوا} بهذا الانتقال في أسنان الأجسام من الرضاع إلى المراهقة إلى البلوغ إلى الكهولة {أشدكم} أي: الكمال والقوّة ، وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين جمع شدّة كالأنعم جمع نعمة كأنه شدّة في الأمور.