وكان فرعون ينتظر من قومه أنْ يتصدَّوْا لما يقوله موسى ، فينهروه ويُسْكِتوه ، لكن لم يحدث شيء من هذا ، مما يدل على أنهم كانوا يتمنْونَ أن ينتصر موسى ، وأن يندحر فرعون ؛ لأنه كبت حرياتهم وآراءهم ، كما كانوا يعرفون كذبه وينتظرون الخلاص منه .
بدليل ما حكاه القرآن عن الرجل المؤمن الذي كان يكتم إيمانه من آل فرعون ، وبدليل الذين أتوا فيما بعد وحَسَّنوا له مسألة السحرة وهم يريدون أن يُهزَم .
وقبل أنْ يردَّ أحد من قوم فرعون بادرهم موسى عليه السلام: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ}
هنا ينقل موسى عليه السلام فرعونَ من الجو الكوني المحيط به في السماء والأرض وما بينهما إلى ذات نفسه ، يقول له: إنَّ لك آباء قبل أنْ تُولد ، وقبل أن تدعي الألوهية ، فمن كان ربهم؟
فلما ضَيَّق موسى عليه السلام الخناق على فرعون ، أراد أنْ يخرج من هذا الجدل وهذه المناظرة الخاسرة فقال محاولاً إنقاذ موقفه: {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ}
وهذه العبارة من فرعون تفضح المتكلِّم بها ، فقد شهد لموسى بأنه رسول ، وخانه لفظه من حيث لا يدري .
قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)
يرد موسى عليه السلام بحجة أخرى ، لكن يختمها هذه المرة بقوله: {إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء: 28] وقد قال في سابقتها {إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ} [الشعراء: 24] كأنه يقول لفرعون: ما دام قد وصل بك الأمر لأنْ تتهمني بالجنون فلن أقول إنْ كنتم موقنين ، إنما إنْ كنتم تعقلون ، فجاء بمقابل الجنون .
فيُنهي فرعون هذا النقاش ، ويأتي بخلاصة الأمر كما يرى ، فيقول: {قَالَ لَئِنِ اتخذت}
وهذا من فرعون إفلاس في الحجة ، ولو كان عنده رَدٌّ لما يقوله موسى لردّ عليه ، ولَقرع الحجة بالحجة ، لكنه تقوَّى على خَصْمه بأن هدده بالسجن والإبعاد ، وكان المسجون عندهم يظل في السجن حتى الموت .