11 -ثم اتبع ذكر إرساله عليه السلام بإنذارهم وتسجيل الظلم عليهم، وتعجيب موسى من حالهم التي بلغت غاية الشناعة، ومن أمنهم العواقب، وقلة خوفهم وحذرهم من أيام الله تعالى، فقال: {أَلَا يَتَّقُونَ} ؛ أي: قال الله سبحانه لموسى: ألا يتقي هؤلاء القوم ربهم، ويحذرون عاقبة بغيهم وكفرهم به. وهذا استئناف لا محل له من الإعراب. و {أَلَا} : حرف تحضيض على الفعل؛ أعني: التقوى، أتبعه إرساله إليهم إنذارًا لهم، وتعجيبًا من غلوهم في الظلم وإفراطهم في العدوان؛ أي: ألا يخافون الله، ويصرفون عن أنفسهم عقابهم بالإيمان والطاعة. وقيل: المعنى: قل لهم: ألا تتقون. وجاء بالياء التحتية؛ لأنهم غيبٌ وقت الخطاب.
وقرأ الجمهور: {أَلَا يَتَّقُونَ} بالياء على الغيبة، وقرأ عبد الله بن مسلم بن يسار وشقيق بن سلمة وحماد بن سلمة وأبو قلابة وعبيد بن دمير وأبو حازم بتاء الخطاب على طريقة الالتفات إليهم إنكارًا وغضبًا عليهم وإن لم يكونوا حاضرين؛ لأنه مبلغهم ذلك ومكافحهم، قال ابن عطية: معناه: قل لهم، فجمع في هذه العبارة من المعاني نفي التقوى عنهم، وأمرهم بالتقوى اهـ.
12 - {قَالَ} ؛ أي: موسى إظهارًا لعجزه، وطلبًا للمعونة، وهذا استئناف بياني، أنه قيل: فماذا قال موسى؟ فقيل: قال موسى تضرعًا إلى الله تعالى يا {رَبِّ إِنِّي أَخَافُ} والخوف توقع مكروه عن أمارة مظنونة أو معلومة {أَنْ يُكَذِّبُونِ} ؛ أي: أن ينكروا نبوتي وما أقول من أول الأمر. قال بعضهم: خوفه كان شفقة عليهم، وأصله يكذبوني، فحذفت ياء المتكلم استغناء بكسر نون الوقاية، ومثلها: {أَنْ يَقْتُلُونِ} ، {سَيَهْدِينِ} ، {فَهُوَ يَهْدِينِ} [الشعراء: 78] ، {وَيَسْقِينِ} [الشعراء: 79] ، {فَهُوَ يَشْفِينِ} [الشعراء: 80] ، {ثُمَّ يُحْيِينِ} ، {وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: 108] ، {كَذَّبُونِ} [الشعراء: 117] ، فهذه ثمان آيات أثبت الياء في جميعها يعقوب في الحالين.