ولما كان الجواب ليس به شيء من ذلك عطف عليه قوله تعالى {بل الذين لا يؤمنون} أي: لا يوجدون الإيمان لأنهم طبعوا على الكفر {بالآخرة} أي: المشتملة على البعث والعذاب {في العذاب} أي: في الآخرة {والضلال البعيد} أي: عن الصواب في الدنيا ، فرد الله تعالى عليهم ترديدهم وأثبت لهم سبحانه ما هو أفظع من القسمين فقوله تعالى {بل الذين لا يؤمنون بالآخرة} (يس: (
في العذاب في مقابلة قولهم {أفترى على الله كذباً} وقوله تعالى {والضلال البعيد} في مقابلة قولهم {أم به جنة} وكلاهما مناسب ، أما العذاب فلأن نسبة الكذب إلى الصادق مؤد إلى أنه شهادة عليه بأنه يستحق العذاب فجعل العذاب عليهم حيث نسبوا الكذب إلى البريء ، وأما الضلال فلأن نسبة الجنون إلى العاقل دونه في الإيذاء ، فإنه لا يشهد عليه بأنه يعذب وإنما ينسبه إلى عدم الهداية فبين تعالى أنهم هم الضالون ، ثم وصف ضلالهم بالبعد ووصف الضلال به للإسناد المجازي لأن من يسمى المهدي ضالاً يكون أضل ، والنبي صلى الله عليه وسلم هادي كل مهتد.
ولما ذكر تعالى الدليل على كونه عالم الغيب وكونه مجازياً على السيئات والحسنات ، ذكر دليلاً آخر فيه التهديد والتوحيد بقوله تعالى:
{أفلم يروا} أي: ينظروا {إلى ما بين أيديهم} أي: أمامهم {وما خلفهم} وذلك إشارة إلى جميع الجوانب من كلا الخافقين فقوله تعالى {من السماء والأرض} دليل التوحيد فإنهما يدلان على الوحدانية ، ويدلان على الحشر والإعادة لأنهما يدلان على كمال القدرة لقوله تعالى {أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم} وأما دليل التهديد فقوله تعالى {إن نشأ} أي: بما لنا من العظمة {نخسف بهم الأرض} أي: كما فعلنا بقارون وذويه لأنه ليس نفوذ بعض أفعالنا فيه بأولى من غيره {أو نسقط عليهم كسفاً} أي: قطعاً {من السماء} فنهلكهم بها ، وقرأ حفص بفتح السين والباقون بسكونها.