قالوا: يا روح الله! إنا رجونا أن نسمع منك اليوم موعظة، ونسمع منك شيئاً لم نسمعه فيما مضى!
فأوحى الله عَزَّ وَجَلْ إلى عيسى عليه السلام: قل لهم: إني من أغفر له مغفرة واحدة أصلح له بها دنياه وآخرته.
قلت: وجه ذلك أن كل مولود يولد على الفطرة، فأصل كل مؤمن أن يكون على الفطرة، ومن كان على الفطرة فهو صالح بلا شك، فإذا خلط المؤمن وغفر الله تعالى تخليطه؛ والمغفرة الستر؛ بأن يستره في الدنيا، ولا يفضحه في الآخرة؛ لأنه إذا غفر في الدنيا فكرمه يقتضي أن لا يفضحه في الآخرة، لأن الكريم إذا جاد بشيء لم يرجع فيه، فبقي العبد
بالمغفرة على أصل الفطرة.
وأيضاً فإن المغفرة تشمل الذنوب كما في الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقول:
"إِنْ تَغْفِرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا ... وَأَيُّ عَبْدٍ لَكَ لا ألمَّا"
رواه الترمذي، وغيره.
وإذا غفرت ذنوب العبد كان صالحاً للقربة في الدنيا والآخرة.
* فائِدَةٌ تاسِعَةٌ وَعِشْرونَ:
روى أبو يعلى، والطبراني في"الأوسط"، والبيهقي في"الشعب"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْخَصْلَةَ الصَّالِحَةَ تَكُونُ فِي الرَّجُلِ فَيُصْلِحُ اللهُ بِها عَمَلَهُ كُلَّهُ، وَطُهُورُ الرَّجُلِ لِصَلاتِهِ يُكَفِّرُ اللهُ بِهِ ذُنوبَهُ وَتَبْقَى صَلاتُهُ لَهُ نافِلَةً".
ووجه ذلك: أن الخصلة الصالحة إذا كانت من صفة الرجل، ولا تصلح إلا إذا كانت طاعة خالصة لله تعالى، والطاعة على حقيقة الشكر، والشكر يقتضي المزيد، فيزيده الله تعالى من طاعته، ثم يزيده توفيقاً إليها حتى تصلح أعماله كلها.
وفي الحديث إشارة إلى أن الرجل متى وجد من العبد خصلة صالحة ينبغي أن يتوسم فيه الصلاح، ولا يسيء الظن به؛ فإن لخصلته أخوات.
وفيه وجه آخر، وهو أن الخصلة الصالحة تكفر خصالاً من السيئات، فيرجى له أن تكون تلك الخصلة سبباً لسعادته.
وقد قال الله تعالى: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [سورة التوبة: 102] .