قوله عزَّ وجلَّ: {قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ} نَصبُ قوله: {أَفَغَيْرَ} يَحْتَمِلُ أوجهًا:
أن يكون منصوبًا بقوله: {أَعْبُدُ} ، ويكون قوله: {تَأْمُرُونِّي} : اعتراضًا بين العامل والمعمول، والتقدير: أعبد غير الله بأمركم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه.
وأن يكون منصوبًا بمضمر هو أعبد، دل عليه هذا الظاهر، والتقدير: أعبد غير الله، ثم قال: تأمروني أن أعبد غيره، فهذا على هذا تفسير للمضمر وتبيين له.
وأن يكون منصوبًا بقوله. {تَأْمُرُونِّي} ، وذلك أن {تَأْمُرُونِّي} يقتضي مفعولين، فالياء المفعول الأول و (غيرَ) الثاني، والتمدير: أتأمروني بغير الله، أي: بعبادة غير الله، فحذف الجار وهو الباء وحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مُقامه.
وقوله: {أَعْبُدُ} على إضمار (أنْ) فلما حذف أن ارتفع (أعبدُ) ، كما في قوله:
557 -أَلَا أَيُّهَذَا الزَّاجِريّ أحْضرُ الوَغَى ...
ثم تكون أن معه في موضع نصب على البدل من غير، وهذا من بدل الاشتمال، ومن باب:
558 -أَمَرْتُكَ الخيرَ ... ...
ومُنع انتصاب (غَيْرَ) بأعبد على هذا، وهو أن تقدر معه أنْ، وذلك أن (غير) إذا كان مفعول (أعبد) وأعبد في تقدير أن أعبد، فيصير كل ذلك في صلة أن، وما كان في الصلة لا يتقدم على الموصول، فأجاب عن هذا أبو سعيد وزعم أنَّ (أنْ) ههنا لما حذفت بطل حكمها، ألا ترى أن الفعل قد ارتفع، ولو كان حكم (أنْ) ثابتًا لوجب (أعْبُدَ) ، فلما لَمْ يقرأ أحدٌ (أعبدَ) بالنصب لَمْ يَنْبَغِ أن يكون (غير) في حلتها، قلت: وحكى الزمخشري النصب فيه، فعلى هذه القراءة يكون حكم (أنْ) ثابتًا فاعرفه.
وقرئ: (تأمرونني) بنونين على الأصل، وبنون مشددة على إدغام إحداهما في الأخري، وبنون خفيفة، على حذف إحداهما وهي التي تصحب ياء النفْس لا التي هي علامة الرفع، لأنَّ تلك لا تحذف إلَّا بناصب أو جازم.