ونظير الآية قوله تعالى: وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً، ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ، إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ، وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ: ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي، إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ، إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ، أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ [هود 11/ 9 - 11] .
ثم ذكر الله تعالى خصالا ثلاثا أقبح مما سبق، فقال:
1 -وَلَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ: هذا لِي أي ولئن آتيناه خيرا بتفريج كربه من بعد شدة أصابته، كغنى بعد فقر، وصحة أو عافية بعد مرض، وجاه بعد ذل، ليقولن: هذا شيء أستحقه على الله لرضاه بعملي وجهدي وخبرتي، متناسبا فضل الله وإحسانه، جاهلا أن الله يبتلي عباده بالخير والشر، ليتبين له الشاكر من الجاحد، والصابر من الجزع. وهذا دليل على أن ذلك اليائس القانط لو عاودته النعمة، لعاد إلى الجحود والكفر.
2 -وَما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً أي وما أعتقد أن القيامة ستقوم، كما يخبرنا به الأنبياء، فلا رجعة ولا حساب ولا عقاب على ذنب في الدنيا. ولأجل أنه رزق نعمة يبطر ويفخر ويكفر، كما قال تعالى: كَلَّا، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى [العلق 96/ 6 - 7] .
والشك في البعث لا يكون إلا من الكافرين أو المنافقين المظهرين الإسلام المبطنين الكفر.
3 -وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى أي ولئن كان ثمّ معاد على فرض صدق الأنبياء بما أخبروا به من حصول البعث والنشور، فليحسنن إلى ربي كما أحسن إلي في هذه الدار، والحسنى الكرامة والجنة. واللام فيها للتأكيد. والآية تدل على تيقن الكافر بوصول الثواب إليه من وجوه خمسة:
الأول- كلمة إن تفيد التأكيد، الثاني- تقديم كلمة لي يفيد التأكيد، الثالث- قوله عِنْدَهُ يدل على أن الخيرات حاضرة مهيأة عنده، الرابع- لام لَلْحُسْنى للتأكيد، الخامس- لَلْحُسْنى تفيد الكمال في الحسنى.