وروى أبو نعيم عن مسلم بن عبد الله قال: دخل مالك بن دينار رحمه الله تعالى دار الخَراج يومًا، فإذا هو برجل من هؤلاء الكبار قد وضع الكَبْل في رجله - والكَبل: بفتح الكاف وقد تكسر: القيد، أو أعظم القيود -؛ قال: فبينا هو ينظر إذ أُتِيَ بطعام، فوضعَ بين يديه، وجعل مالك ينظر ويتعجب من أكله ومما هو فيه، فقال له: تعالَ كُل يا أبا يحيى.
فقال: أخاف إنْ أكلتُ مثل هذا أنْ يُوضع في رجلي مثل هذا.
قال: فتقدم إليه ابن عم الرجل، فقال له: يا أبا يحيى! إنَّ هذا ابن عمٍ لي، وهو ينفق علىَّ وعلى عيالي، فادعُ الله أنْ يُنجيه.
فقال مالك: أتدري ما مثل ابن عمك؟ مثل شاة أكلت عجين قوم، فانتفخ بطنها، فماتت، وصاحب العجين يدعو الله على مَنْ أكل عجينه، وصاحب الشاة يدعو الله على مَنْ قتل شاته، فلأيَّهم ترى إليه أسرع الإجابة.
ومن أمثالِهم: يا شاة! أين تذهبين؟
قالت: أُجَزُّ مع المجزوزين.
أجز - بالبناء لنائب الفاعل: من جزَّ الشاة - بالجيم والزاي - فهي جزوزة كالحلوبة: إذا أخذ صوفها.
قال الزمخشري: يُضرب للأحمق يتكلم مع القوم، ويفعل فعلهم، وما يدري ما هم فيه.
وفي معناه قول الناس في بعض أمثالهم: قيل للأحمق: أين تغدو؟
قال: معهم.
قيل له: أين تروح؟
قال: معهم.
وهذا حال المقلد من غير استظهار معنى ما يُقلد؛ كما قال أولئك: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) } [سورة الزخرف: 22] .
وقولهم في المثل حكايةً عن الشاة: أُجزُّ مع المجزوزين، وحقه مع المجزوزات؛ فإنما عُدِلَ عنه لأن الشاة لمَّا نزلتْ منزلة العقلاء فخُوطِبَتْ، ناسَبَ أنْ يكون جوابها جواب العقلاء.
ومن المعلوم أنَّ الأمثال تقع موقعها الأول، فتدور في الألسنة كما هي، ولا تغير؛ هذا قانونها.
وقالوا في المثل: عنزٌ بها كل داء؛ يُضرب للكثير العيوب من الناس والدواب.
وقد قيل: للعنز تسعة وتسعون داء.
ومن أمثالهم في المخلط: كل نجار إبل نجارها؛ أي: فيه كل لونٍ من الأخلاق، وليس له رأي يثبت فيه؛ نقله في"الصحاح"عن أبي عبيد.
والنجار - بالفتح، والكسر - والنجر - بالفتح: الأصل واللون.