فهذا وأمثاله إنما وضعته العقلاء على طريقة ضرب الأمثال للتنبيه على ما ينفع أو يضر من الخلال؛ {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [سورة العنكبوت: 43] .
ألا ترى أنهم يقولون في المثل السَّائر: ليس بِعُشُّكِ فادرُجي؛ يريدون ليس لك في هذا الأمر حق فامضي، كما في"القاموس".
وقال الزمخشري: يُضرب لمَنْ يدعي أمرًا ليس من شأنه؛ أي: ليس بمباتك فاخرج منه.
وقريب من قولهم في المثل الآخر: خلا لكِ الجو فبِيضي واصْفِرِي.
وأول من قاله طرفه بن العبد وهو ابن سبع سنين، وذلك أنه خرج مع صويحب له إلى مكان كانا يعهدان فيه القنابر، فنصبا فخيهما، فإذا قنبرة تحوم بالفخ، تقع تارةً وتَفْزع أخرى حتى ذهب النهار، ثم لمَّا توجَّها إلى أهلهما راجعين والقنبرة تحوم قال: من الرجز
يا لَكِ مِنْ قنبرةٍ بِمعمرٍ خَلا ... لَكِ الْجَوُّ فَبِيضِي وَاصْفِرِي
وَنَقِّرِي ما شِئْتِ أنْ تُنَقِّري ... قَدْ رُفِعَ الفَخُّ، فَماذا تَحْذَرِي؟
وَرَجَعَ الصَّيَّادُ عَنْكِ فَأْبْشِرِي ... لا بُدَّ مِنْ أَخْذِك يَومًا فَاحْذَرِي
ومن أمثالهم: حيل بين العَير والنزوان.
العَير - بالفتح: حمار الوحش، والنزوان: الوثوب.
وأبلغ من هذا المثل قوله تعالى: {وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ (54) } [سورة سبأ: 54] ؛ يُضرب المثل في منع الرجل مُراده.
قال الزمخشري: وأول مَنْ قاله صخر بن عمرو أخو الخنساء، وذلك أنه طعنه ربيعة الأسدي، فأدخل حلقة من حلقات الدرع في جوفه، فَضَمِر زمانًا - أي: زمن - حتى ملته امرأته، فمرَّ بها رجلٌ وكانت ذات خلق وإدراك، فقال لها: كيف مريضكم؟
فقالت: لا حي فيُرجى، ولا ميت فيُنْعى.
ثم قال لها: هل يُباع الكفل؟
فقالت: نعم عمَّا قليل؛ وذلك بمسمع من صخر.
فقال: أما والله لئن قَدِرْتُ لأقدمنك قبلي.
فقال لها: ناوليني السيف لأنظر هل تُقله يدي، فناولته فإذا هو لا يُقلَّه، فقال: من الطويل
أَرى أُمَّ صَخْرٍ لا تَمَلُّ عِيَادَتي ... وَمَلَّتْ سُلَيْمى مَضْجَعِي وَمَكانِي
فَأَيُّ امْرِئٍ سَاوى بِأمٍّ حَلِيلَةً ... فَلا عاشَ إِلاَّ فِي شَقى وَهَوانِ