وفيه تورية لطيفة؛ فإنه يصلح أن يُراد به: يا إخوان القردة الممسوخين قردة، وأن يُراد به: يا أمثال القردة كما في قوله تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ} [سورة الإسراء: 27] ؛ أي: أمثالهم.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم:"أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ؟"
المُحَلِّلُ"؛ فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخاطب به مخصوصًا معينًا، ولم يصرح فيه بالتمثيل، بل سمَّى المحلل تيسًا مستعارًا على سبيل المبالغة للتنفير من التحليل."
وهذا جائزٌ سائغ - وإن كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في مقام التشريع - لأنَّ هذا اللفظ لا يتوهم منه إباحة تسمية كل إنسان تيسًا، بل لا يحتمل إلا
تسمية كل محلل تيسًا مستعارًا وقد عرفت الوجه في ذلك، بخلاف قول موسى - صلى الله عليه وسلم - لكافة بني إسرائيل: اشربوا يا حمير.
وأيضا، فإنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار إلى سبب إلحاق المحلل بالتيس المستعار، وهو التحليل، بخلاف موسى عليه السلام؛ فإنه لم يُعين سبب تسمية بني إسرائيل حميرًا، ولو بين لهم سبب ذلك لاستفادوا منه التنبه إلى استقباح ما يلحق الإنسان بالحمار، ونفروا عنه كما يتنبه الرجل من هذه الأمة إلى استقباح ما يلحقه بالتيس من التحليل بقوله - صلى الله عليه وسلم:"أَلا أُخْبِرُكُمْ بِالتَّيْسِ المُسْتَعَارِ"، فينفر عن ذلك.
ومن هنا يظهر لك أن من سمى إنسانًا كلبًا لاشتماله على الضراوة، والكلب، والجشع لينفر هو عن هذه الأخلاق، أو لينفر عنها غيره، فلا يكون ذلك مكروهًا، بل هو مستحسن كما قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما للمتكلم والإمام يخطب: أما أنت فحمار؛ زجرًا له عن التكلم في مثل هذا الوقت، وقد تقدم لهذا نظائر كثيرة.
وأما ما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد عن صالح بن خالد أنَّه قال: إذا أردت أن تعمل شيئا من الخير فأنزل الناس بمنزلة البقر إلا أنَّك لا تحقرهم؛ فإنَّما أراد به ألا تتصور للناس وجودًا في طاعة الله تعالى، فتؤثر رؤيتهم لك في ذلك بفعل أو ترك، أو زيادة أو نقص، أو اجتهاد