يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَا كُلُّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذُكِرَتْ مِنَ السُّقُفِ مِنَ الْفِضَّةِ وَالْمَعَارِجِ وَالْأَبْوَابِ وَالسُّرُرِ مِنَ الْفِضَّةِ وَالزُّخْرُفِ، إِلَّا مَتَاعٌ يَسْتَمْتِعُ بِهِ أَهْلُ الدُّنْيَا فِي الدُّنْيَا {وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَزَيَّنَ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَبَهَاؤُهَا عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ اتَّقُوا اللَّهَ فَخَافُوا عِقَابَهُ، فَجَدُّوا فِي طَاعَتِهِ، وَحَذَرُوا مَعَاصِيهِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ فَلَمْ يَخَفْ سَطْوَتَهُ، وَلَمْ يَخْشَ عِقَابَهُ {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ}
يَقُولُ: نَجْعَلُ لَهُ شَيْطَانًا يُغْوِيهِ فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ: يَقُولُ: فَهُوَ لِلشَّيْطَانِ قَرِينٌ، أَيْ يَصِيرُ كَذَلِكَ، وَأَصْلُ الْعُشُوِّ: النَّظَرُ بِغَيْرِ ثَبَتٍ لِعِلَّةٍ فِي الْعَيْنِ، يُقَالُ مِنْهُ: عَشَا فُلَانٌ يَعْشُو عَشْوًا وَعُشُوًّا: إِذَا ضَعُفَ بَصَرُهُ، وَأَظْلَمَتْ عَيْنُهُ، كَأَنَّ عَلَيْهِ غِشَاوَةً، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إِلَى ضَوْءِ نَارِهِ ... تَجِدْ حَطَبًا جَزْلًا وَنَارًا تَأَجَّجَا
يَعْنِي: مَتَى تَفْتَقِرْ فَتَأْتِهِ يُعِنْكَ، وَأَمَّا إِذَا ذَهَبَ الْبَصَرُ وَلَمْ يُبْصِرْ، فَإِنَّهُ يُقَالُ فِيهِ: عَشِيَ فُلَانٌ يَعْشَى عَشًى مَنْقُوصٌ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْأَعْشَى:
رَأَتْ رَجُلًا عَائِبَ الْوَافِدَيْنِ ... مُخْتَلِفَ الْخَلْقِ أَعْشَى ضَرِيرَا
يُقَالُ مِنْهُ: رَجُلٌ أَعْشَى وَامْرَأَةٌ عَشْوَاءُ
وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَمَنْ لَا يَنْظُرُ فِي حُجَجِ اللَّهِ بِالْإِعْرَاضِ مِنْهُ عَنْهُ إِلَّا نَظَرًا ضَعِيفًا، كَنَظَرِ مَنْ قَدْ عَشِيَ بَصَرُهُ {نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا}
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِمَعْنَى: وَمَنْ يَعْمَ، وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَيَجِبُ أَنْ تَكُونَ قِرَاءَتُهُ «وَمَنْ يَعْشَ» بِفَتْحِ الشِّينِ عَلَى مَا بَيَّنْتُ قَبْلُ.
وَقَوْلُهُ: {وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ،}