وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر عن عاصم وأبو جعفر {جاءانا} بألف ضمير المثنى عائداً على من يعش عن ذكر الرحمان وقرينِه ، أي شيطانه ، وأفرد ضمير {قال} لرجوعه إلى من يعش عن ذكر الرحمان خاصة ، أي قال الكافر متندماً على ما فرط من اتّباعه إياه وائتِمارِهِ بأمره.
وقرأ الجمهور {جاءنا} بصيغة المفرد والضمير المستتر في {قال} عائد إلى {من يعش عن ذكر الرحمن} [الزخرف: 36] ، أي قال أحدهما وهو الذي يعشو.
والمعنى على القراءتين واحد لأن قراءة التثنية صريحة في مجيء الشيطان مع قرينه الكافر وأن المتندم هو الكافر ، والقراءة بالإفراد متضمنة مجيء الشيطان من قوله: {يا ليت بيني وبينك بُعْدَ المشرقين} إذ عُلم أن شيطانه القرينَ حاضر من خطاب الآخر إياه بقوله: {وبَيْنَك} .
وحرف {يا} أصله للنداء ، ويستعمل للتلهف كثيراً كما في قوله {يا حسرة} [يس: 30] وهو هنا للتلهف والتندم.
والمشرقان: المشرق والمغرب ، غلب اسم المشرق لأنه أكثر خطوراً بالأذهان لتشوف النفوس إلى إشراق الشمس بعد الإظلام.
والمراد بالمشرق والمغرب: إما مكان شروق الشمس وغروبها في الأفق ، وإما الجهة من الأرض التي تبدو الشمسُ منها عند شروقها وتغيب منها عند غروبها فيما يلوح لطائفة من سكان الأرض.
وعلى الاحتمالين فهو مَثَل لشدة البعد.
وأضيف {بعد} إلى {المشرقين} بالتثنية بتقدير: بعد لهما ، أي مختص بهما بتأويل البعد بالتباعد وهو إيجاز بديع حَصل من صيغة التغليب ومن الإضافة.
ومُسَاواته أن يقال بُعْد المَشْرق من المغرب والمغرببِ من المشرق فنابت كلمة {المشرقين} عن ست كلمات.
وقوله {فبئس القرين} ، بَعْدَ أن تمنى مفارقته فرّع عليه ذمّاً فالكافر يذم شيطانه الذي كان قريناً ، ويُعرِّض بذلك للتفصّي من المؤَاخذة ، وإلقاءِ التبعة على الشيطان الذي أضَلّه.