قال سلمة بن وهرام: سألت طاوس رحمه الله عن الأزلام فقال: كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربونها؛ قِدح معلم يتطيرون به، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القِدح لم يخرج لحاجته، فإن خرج غيره خرج لحاجته.
قال: وكانت المرأة إذا أرادت الحاجة لها لم تضرب بتلك القداح، فذلك قول الشاعر: من الطويل
إِذا حدَّدَتْ أُنْثى لأَمْر خِمارِها ... أَتَتْهُ وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالْمَقاسِمِ
رواه أبو الشيخ.
ولم يكن امتناع النساء عن الاستقسام إيمانًا منهن وتسليمًا، وإنما كان من باب الهجوم على الشر والطيش لغلبة الهوى، وكلا حالتي الرجال والنساء في الجاهلية كان على غير صواب متابعة للشيطان.
ومقتضى الإسلام ترك الاستقسام مع التروي في الأمور، والامتحان فيها، والاستشارة لها من الرجال والنساء جميعًا دون الهجوم على الأمور والعجلة فيها ما لم يكن من أعمال الآخرة.
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: ليس من الاستقسام بالأزلام القرعة الشرعية في مسألة الإقراع بين المماليك في العتق وغيرها من مسائل القرعة كما
قال به الشافعي رحمه الله تعالى وغيره؛ لأن استعمال القرعة مبني على الأحاديث الصحيحة، ويفرق بينه وبين الاستقسام بأن العتق مثلًا حكم شرعي، وكان خروج القرعة عَلَمًا على تحقيق ما مضى من حكم العتق بخلاف الاستقسام؛ فإنه استخراج لأمر مستقبل.
وكذلك ليس من الاستقسام التفاؤل بالفأل الحسن بخلاف التطير؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة كما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، والحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وروي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ".
قيل: يا رسول الله! ما الفأل؟
قال:"الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُم".
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: الفرق بين الفأل والطيرة إنما هو من قبيل الاتكال على الله تعالى وحسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه.