والغضب، فلم يستطع له شيئًا، فتمثل له بحية وهو يصلي، فالتوى بقدميه وجسده حتى طلع عند رأسه، فلم يلتفت من صلاته ولا استأخر منها، فلما أراد أن يسجد التوى في موضع سجوده، فلما وضع رأسه للسجود فتح فاه ليلتقم رأسه، فجعل يفرك لحيته يستمكن من الأرض بسجدته، فقال له الشيطان: إني أنا صاحبك الذي كنت أخوفك وأتيتك من قبل الشهوة والرغبة والغضب، وأنا الذي كنت أتمثل لك بالسباع أو بالحية فلم أستطع لك شيئًا، وقد بدا لي أن أصادقك ولا أريد ضلالتك بعد اليوم.
فقال له: لا يومَ خوفتني بحمد الله خفتك، ولا لي اليوم حاجة في مصادقتك.
قال: سلني عما شئت أخبرْك.
قال: وما عسيت أن أسألك عنه؟
قال: لا تسألني عن مالك ما فعل بعدك؟
قال: لو أردت ذلك لم أفارقه.
قال: فلا تسألني عن أهلك من مات منهم بعدك؟
قال: أنا ميت بعدهم أو قبلهم.
قال: فلا تسألني عما أضل به بني آدم؟
قال: بلى.
قال: فأخبرني ما أوثق في نفسك أن تضلهم به؟
قال: ثلاثة أخلاق من لم يستطع بشيء منها غلبنا الشح والحدة والسكر؛ فإن الرجل إذا كان شحيحًا قلَّلنا ماله في عينه، ورغبناه في أموال الناس، فإذا كان حديدًا أدرناه بيننا كما يتداول الصبيان الكورة، ولو كان يحيي الموتى بدعوته لم نيأس منه فإنما نبني ونهدمه بما نكمله، وإذا سكر اقتدناه كما يقتاد من أخذ العنز بأذنها حيث يشاء.
وقد حكي عن الشيخ عبد القادر الكيلاني نظير هذه القصة في تصور الشيطان له في صورة الحية وهو في الصلاة، وفي قصته: إن الشيطان قال له: فتنت بذلك قبلك سبعين صدِّيقًا، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأشرت إلى الثلاثة الأخلاق المشار إليها في أثر وهب بقولي: من السريع
بِالشُّحِّ وَالْحِدَّةِ وَالسُّكْرِ ... يَسْتَمْكِنُ الشَّيْطانُ فِيْ الْمَكْرِ
فَمَنْ خَلا مِنْها فَشَيْطانُهُ ... فِي غايَةِ الذِّلَّةِ وَالْقَهْرِ
لَيْسَ لَهُ فِي خَمْرِهِ طاقَة ... وَلا عَلَيْهِ الدَّهْرَ يَسْتَجْرِي
بِأَحْسَنِ الأَخْلاقِ مِنْهُ احْتَجِزْ ... وَاشْهَرْ عَلَيْهِ عُدَّةَ الذِّكْرِ
دارَتْ عَلى الشَّيْطانِ مِنْ ذِكْرِ مَنْ ... عَلا اسْمُهُ قاصِمَةُ الظَّهْرِ