[من روائع الأبحاث]
(فصل: من روائع الأدب العربي)
(باب مدح مغالبة الهوى وذم اتباعه)
قال ابن عبد البر:
قال وهب بن منبه: العقل والهوى يصطرعان، فأيّهما غلب مال بصاحبه.
قال ابن دريد:
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
قال عمر بن عبد العزيز: أفضل الجهاد جهاد الهوى.
قال بعض الحكماء: من نظر بعين الهوى خاف، ومن حكم بالهوى جار قال سفيان الثوري: أشجع الناس أشدهم من الهوى أمتناعاً.
وقال: من المحقّرات تنتج الموبقات.
ويقولون: إن هشام بن عبد الملك لم يقل بيت شعرٍ قطّ إلاّ هذا:
إذا أنت لم تعصي الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك مقال
"قلت: لو قال: إلى كلّ ما فيه عليك مقال"كان أبلغ وأحسن.
قال بعض الحكماء: إنما يحتاج اللبيب ذو الرأي والتّجربة إلى المشاورة ليتجرّد له رأيه من هواه.
قال بعضهم: اعص النساء وهواك، واصنع ما شئت.
قلت: لو قال اعص الهوى لاكتفى.
قيل للمهلّب: بم ظفرت؟ قال: بطاعة الحزم وعصيان الهوى.
قالوا: ما ذكر الله تعالى الهوى في شيء من القرآن إلا ذمه.
قيل لشريح: احمد الله لما سلمك من الفتن. قال: كيف أصنع بقلبي وهواي؟ قال: الهوى غالب، والقلوب مغلوبة.
قال امتدح بترك الهوى من الحكماء، قال الزبير بن عبد المطلب:
وأجتنب البوائق حيث كانت ... وأترك ما هويت لما خشيت
أخبرنا عبد الوارث، حدثنا قاسم، حدثنا نصر بن محمّد الأسديّ الكوفيّ، حدثنا إبراهيم بن عثمان المصّيصي، حدثنا مخلّد بن حسين، حدثنا هشاّم ابن حسان، عن محمد بن سيرين قال: بيتا عمر بن الخطاب يجوس ذاتة ليلة إذ سمع امرأة وهي تقول:
هل من سبيلٍ إلى خمرٍ فأشربها ... أم من سبيل إلى نصر بن حجاج
فلما أصبح قال: عليّ بنصر. فجيء به، فإذا هو أجمل الناس، فقال: إنها المدينة فلا تساكنيِّ فيها. فخرج إلى البصرة فنزل على ابن عمٍّ له، هو أمير البصرة، فبينما هو جالس مع ابن عمه وامرأته، إذ كتب في الأرض: إني لأحبك حبّاً لو كان فوقك لأظلك، ولو كان تحتك لأقلك. فقرأته وكتبت تحته: وأنا. وكان الأمير لا يقرأ، فعلم أنه جواب كلام، فأكفأ عليه إناءً وقام وبعث إلى من يقرأه، فبلغ ذلك نصراً، فلم يجئ إليه، ومرض حتى سلّ وصار شبه الفرخ، فأخبر الأمير بذلك، فقال: اذهبي إليه، فأبت، فقال: عزمت عليك إلاّ ذهبت إليه وأسندته إلى صدرك وأطعمته.