فهرس الكتاب
وفي سنن ابن ماجه عن حبة وسواءٍ ابني خالد قالا: دخلنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو يعالج شيئاً فأعنّاه عليه ، فقال:"لا تيأسا من الرزق ما تهززت رؤوسكما فإن الإنسان تلده أمه أحمر ليس عليه قِشر ثم يرزقه الله"وروى أن قوماً من الأعراب زرعوا زرعاً فأصابته جائحة فحزنوا لأجله ، فخرجت عليهم أعرابية فقالت: مالي أراكم قد نكستم رؤوسكم ، وضاقت صدوركم ، هو ربنا والعالم بنا ، رزقنا عليه يأتينا به حيث شاء! ثم أنشأت تقول:
لو كان في صخرةٍ في البحر راسيةٍ ...
صَمًّا مُلَمْلِمَةٍ مَلْسَا نَواحِيها
رِزْقٌ لنفسٍ بَرَاهَا الله لانفلقتْ ...
حتى تؤدي إليها كُلَّ ما فيها
أو كان بين طِباقِ السبعِ مسلكها ...
لَسَهَّلَ الله في المرقَى مَرَاقيها
حتّى تنالَ الذي في اللوح خُطَّ لها ...
إنْ لم تَنلْه وإِلا سوف يأتِيها
قلت: وفي هذا المعنى قصة الأشعريين حين أرسلوا رسولهم إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم ، فسمع قوله تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا} [هود: 6] فرجع ولم يكلم النبيّ صلى الله عليه وسلم وقال: ليس الأشعريون بأهون على الله من الدواب ؛ وقد ذكرناه في سورة"هود".
وقال لقمان: {يا بني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ} [لقمان: 16] الآية.
وقد مضى في"لقمان"وقد استوفينا هذا الباب في كتاب (قمع الحرص بالزهد والقناعة) والحمد لله.
وهذا هو التوكل الحقيقي الذي لا يشوبه شيء ، وهو فراغ القلب مع الربّ ؛ رَزَقنا الله إياه ولا أحالنا على أحد سواه بمنِّه وكرمه.
قوله تعالى: {مِّثْلَ مَآ أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ} قراءة العامة"مِثْلَ"بالنصب أي كمثل {مَآ أَنَّكُمْ} فهو منصوب على تقدير حذف الكاف أي كمثل نطقكم و"ما"زائدة ؛ قاله بعض الكوفيين.