ثم جاءت الآيتان الأخريان تعقبان على هذه الآيات وتهتفان بلسان النبي صلى الله عليه وسلم: أن سارعوا والحالة هذه إلى الله وفروا من غضبه والمصير الرهيب الذي يستحقه الجاحدون، وأن لا تدعوا مع الله إلها آخر إني لكم منه نذير مبين.
وقد جاءت الآيات الخمس عقب الفصل القصصي لتكون نتيجة له ومقررة بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث كما بعث الأنبياء وأن ما يدعو إليه هو ما دعوا إليه ومنذرة بمصير الجاحدين من الأمم السابقة.
والآيتان الأخريان وإن كانتا بأسلوب خطاب نبوي موجه للسامعين إلا أن انسجامهما في السياق ظاهر. والمفسرون يقدرون في مثل هذه الآيات محذوفا وهو (قل) ومثل هذا قد تكرر في القرآن ومرّ منه أمثلة عديدة بحيث يصح أن يقال إنه أسلوب من أساليب النظم القرآني.
[سورة الذاريات (51) : الآيات 52 إلى 55]
(كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ(52) أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ (53) فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ (54) وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55)
(1) أتواصوا به: هل وصّى بعضهم بعضا بهذا القول.
في الآيات:
1 -إشارة إلى أن الكفار في قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم إنه ساحر أو مجنون إنما يفعلون كما كان يفعل الذين من قبلهم حيث كانوا يقولون لكل رسول أتى إليهم مثل ذلك.
2 -وتساؤل تعجبي عما إذا كان السابقون واللاحقون قد تواصوا ليقولوا قولا واحدا.
3 -واستدراك تعليلي لذلك بأن الذين جمعهم على وحدة القول إنما هو الاتحاد في خلق الطغيان وسوء النية فالطبيعة الواحدة يصدر عنها مظهر واحد.
4 -وأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يعرض عنهم فلا يحمّل نفسه همّا، فإنه لا لوم عليه من جراء موقفهم الجحودي وعليه أن يستمر في التذكير الذي هو قصارى واجبه وهو نافع لمن أراد الحق والهداية ورغب في الإيمان حتما.