و {من كان كُفِر} هو نوح فإن قومه كَفَروا به ، أي لم يؤمنوا بأنه رسول وكان كفرهم به منذ جاءهم بالرسالة فلذلك أقحم هنا فعل {كان} ، أي لمن كُفِر منذ زمان مضى وذلك ما حكي في سورة نوح (5 9) بقوله: {قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً} إلى قوله: {ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إنِّي أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً} وحذف متعلق كفر لدلالة الكلام عليه.
وتقديره: كفر به ، أو لأنه نصح لهم ولقي في ذلك أشد العناء فلم يشكروا له بل كفروه فهو مكفور فيكون من باب قوله تعالى: {ولا تكفرون} [البقرة: 152] .
وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (15)
ضمير المؤنث عائد إلى {ذات ألواح ودسر} ، أي السفينة.
والترك كناية عن الإِبقاء وعدم الإِزالة ، قال تعالى: {وتركنا فيها آية} في سورة الذاريات (37) ، وقال: {وتركهم في ظلمات لا يبصرون} في سورة البقرة (17) ، أي أبقينا سفينة نوح محفوظة من البِلى لتكون آية يشهدها الأمم الذين أرسلت إليهم الرسلُ متى أراد واحد من الناس رؤيتها ممن هو بجوار مكانها تأييداً للرسل وتخويفاً بأول عذاب عُذبت به الأمم أمة كذبت رسولها فكانت حجة دائمة مثل ديار ثمود.
ثم أخذت تتناقص حتى بقي منها أخشاب شهدها صدر الأمة الإسلامية فلم تضمحل حتى رآها ناس من جميع الأمم بعد نوح فتواتر خبرها بالمشاهدة تأييداً لتواتر الطوفان بالأخبار المتواترة.
وقد ذكر القرآن أنها استقرت على جبل الجوديّ فمنه نزل نوح ومن معه وبقيت السفينة هنالك لا ينالها أحد ، وذلك من أسباب حفظها عن الاضمحلال.
واستفاض الخبر بأن الجودي جُبيل قرب قرية تسمى (باقِرْدَى) بكسر القاف وسكون الراء ودال مفتوحة مقصوراً من جزيرة ابن عمر قرب المَوْصل شرقيَّ دجلة.
وفي"صحيح البخاري"قال قتادة:"لقد شَهدها صدر هذه الأمة"قال تعالى في سورة العنكبوت (15) {وجعلناها آية للعالمين} وقد تقدم ذلك مفصلاً هنالك.