يقول الفقير: إنما وقع العذاب بالطوفان العام؛ لأنَّ الماء إشارة إلى العلم، فلما لم ينتفعوا بعلم نوح عليه السلام في المدة الطويلة، ولم تغرق أرواحهم فيه أخذوا بالماء، حتى غرقت أجسادهم. وتأئير الطوفان يظهر في كل ثلاثين سنة مرة واحدة، لكن على الخفة. فيقع مطر كثير، ويغرق بعض القرى، والبيوت من السيل. وقرأ أبو حيوة {قُدِرَ} بتشديد الدال، والجمهور بتخفيفها.
والخلاصة: أنّ الله أرسل ماء السحاب مدرارًا، وأخرج من الأرض ماء ثجاجًا، فالتقى الماءان، فأحدثا طوفانًا على وجه الأرض، فأغرق به قوم نوح , ونجا نوحًا بركوب سفينته التي بناها، كما أشار إلى ذلك في هود بالتفصيل.
13 -وأشار إليه هنا بقوله: {وَحَمَلْنَاهُ} ؛ أي: نوحًا ومن آمن معه {عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ} ؛ أي: على سفينة صاحبة أخشاب عريضة. فإن الألواح جمع لوح. وهو كل صحيفة عريضة خشبًا أو عظمًا. وكانت سفينة نوح من ساج. وهو شجر عظيم ينبت في أرض الهند.
{وَدُسُرٍ} ؛ أي: ومسامير. جمع دسار، من الدسر. وهو الدفع الشديد، سمي به المسمار؛ لأنه يدسر به منفذها؛ أي: يدفع. قال في"عين المعاني": دسرت بها السفينة؛ أي: شدت، أو لأنّها تدسر أي: تدفع بالدقّ. فقوله: {ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ} صفة للسفينة، أقيمت مقامها بأن يكنى بها عنها كما يكنى عن الإنسان بقولهم: هو مستوي القامة عريض الأظفار.
أي: وأنقذناه من الطوفان، فحملناه على سفينة ذات خشب ومسامير.
وفي سورة العنكبوت: {فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ} . وفي هذا إيماء إلى أنه تعالى يوجد الأسباب لتحقيق ما يريد من المسببات بحسب السنن التي وضعها في الخليقة، وأنه يمهل الظالمين ولا يهملهم كما جاء في الحديث:"إن ربك لا يهمل، ولكن يمهل".
14 -ثم أشار إلى أنه كان محروسًا بعناية الله، وكلاءته فقال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} ؛ أي: تجري السفينة، وتسير بمرأى منا؛ أي: محفوظة بحفظنا. وقيل: محفوظة بأعين أوليائنا من الملائكة الموكلين بحفظها. وقيل: تجري بأعيننا؛ أي: بأمرنا، وقدرتنا. وقيل: تجري بأعيننا النابعة من الأرض. وقرأ الجمهور {بِأَعْيُنِنَا} بالفكّ. وقرأ زبد بن علي، وأبو السمّال {بِأَعْيُنَّا} بالإدغام.