قال القرطبي: قوله: وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً ... يريد هذه الفعلة عبرة.
وقيل: أراد السفينة، تركها آية لمن بعد قوم نوح يعتبرون بها فلا يكذبون الرسل ..
قال قتادة: أبقاها الله - تعالى - بباقردى، من أرض الجزيرة - قرب الموصل بالعراق - لتكون عبرة وآية، حتى نظر إليها أوائل هذه الأمة، وكم من سفينة صارت بعدها رمادا ... .
ويبدو لنا أن الآية الكريمة تتسع للرأيين فهذه العقوبة التي أنزلها - سبحانه - بقوم نوح - عليه السلام - بقيت عبرة لمن بعدهم لينزجروا، ويكفوا عن تكذيب الرسل، كما أن السفينة قد أبقاها - سبحانه - بعد إغراقهم إلى الزمن الذي قدره وأراده، لتكون - أيضا - عبرة وعظة لغيرهم.
والاستفهام في قوله: فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ للحض على التذكر والاعتبار، ولفظ مُدَّكِرٍ أصله مذتكر من الذّكر الذي هو ضد النسيان، فأبدلت التاء دالا مهملة، وكذا الذال المعجمة ثم أدغمت فيها، ومنه قوله - تعالى -: وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ... أي: وتذكر بعد نسيان.
أي: ولقد تركنا ما فعلناه بقوم نوح عبرة، فاعتبروا بذلك - أيها الناس - ، وأخلصوا لله - تعالى - العبادة والطاعة، لتنجوا من غضبه وعقابه.
والاستفهام في قوله - سبحانه -: فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ للتهويل والتعجيب من شدة هذا العذاب الذي حاق بقوم نوح - عليه السلام - .
أي: فكيف كان عذابي لهم، وإنذارى إياهم؟ لقد كانا على كيفية هائلة لا يحيط بها الوصف، ولا تحدها العبارة.
والنذر: مفردة نذير، وجمع لتكرار الإنذار من نوح - عليه السلام - لقومه.
قال الجمل: وقرئ في السبع بإثبات الياء وحذفها. وأما في الرسم فلا تثبت لأنها من ياءات الزوائد، وكذا يقال في المواضع الآتية كلها .. .
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله ورحمته على هذه الأمة، حيث جعل كتابه ميسرا في حفظه وفهمه، فقال - تعالى -: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ، فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ.