فهرس الكتاب
ولما كانت لا تكون عندنا إلا في أوقات يسيرة ، بين أن أمر الجنة على غير ذلك فقال: {لا مقطوعة} ولما كانت في الدنيا قد يعز التوصل إليها مع وجودها لشيء من الأشياء أقله صعود الشجرة أو التحجز بجدار أو غيره قال: {ولا ممنوعة} ولما كان التفكه لا يكمل الالتذاذ به إلا مع الراحة قال: {وفرش مرفوعة} أي هي رفيعة القدر وعالية بالفعل لكثرة الحشو ولتراكم بعضها على بعض ولأنها على السرر ، وروى البغوي من طريق النسائي عن أبي سعيد وأبي هريرة - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام"
ولما كانت النساء يسمين فرشاً ، قال تعالى معيداً للضمير على غير ما يتبادر إليه الذهن من الظاهر على طريق الاستخدام مؤكداً لأجل إنكار من ينكر البعث: {إنا} أي بما لنا من القدرة والعظمة التي لا يتعاظمها شيء {أنشأناهن} أي الفرش التي معناها النساء من أهل الدنيا بعد الموت ولو عن الهرم والعجز بالبعث ، وزاد في التأكيد فقال: {إنشاء} أي من غير ولادة ، بل جمعناهن من التراب كما فعلنا في سائر المكلفين ليكونوا كأبيهم آدم عليه الصلاة والسلام في خلقه من تراب ، فتكون الإعادة كالبداءة ، ولذلك يكون الكل عند دخول الجنة على شكله عليه الصلاة والسلام ، ويجوز أن يكون المراد بهن الحور العين فيكون إنشاء مبتدعاً لم يسبق له وجود.
ولما كان للنفس أتم التفات إلى الاختصاص ، وكان الأصل في الأنثى المنشأة أن تكون بكراً ، نبه على أن المراد بكارة لا تزول إلا حال الوطئ ثم تعود ، فكلما عاد إليها وجدها بكراً ، فقال: {فجعلناهن} أي الفرش الثيبات وغيرهن بعظمتنا المحيطة بكل شيء {أبكاراً} أي بكارة دائمة لأنه لا تغيير في الجنة ولا نقص.