وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ قال ابن كثير: أي من هذه الأمة. قال النسفي: والثلة: الأمة من الناس الكثيرة. أقول: وهناك اتجاه رجحه ابن جرير وضعفه ابن كثير كما سنرى في الفوائد:
أن المراد بالأولين: الأمم من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، وأن المراد بالآخرين أمة محمد صلى الله عليه وسلم. قال ابن كثير: (وهذا الذي اختاره ابن جرير هاهنا فيه نظر، بل هو قول ضعيف؛ لأن هذه الأمة هي خير الأمم بنص القرآن، فيبعد أن يكون المقربون في غيرها أكثر منها، اللهم إلا أن يقابل مجموع الأمم بهذه الأمة، والظاهر أن المقربين من هؤلاء أكثر من سائر الأمم) .
كلمة في السياق:
رأينا أن محور سورة الواقعة هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فالخطاب هنا للناس جميعا، ونلاحظ أن بداية سورة الواقعة خطاب للناس جميعا وَكُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فكأن السياق يقول:
(يا أيها الناس كيف تكفرون بالله ... ثم إليه ترجعون) إذ تكونون أصنافا ثلاثة، إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ* لَيْسَ لِوَقْعَتِها كاذِبَةٌ* خافِضَةٌ رافِعَةٌ* إِذا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا* وَبُسَّتِ الْجِبالُ بَسًّا* فَكانَتْ هَباءً مُنْبَثًّا ثم يسير السياق بعد التفصيل في الأزواج الثلاثة ليقيم الحجة على الناس فيقول: نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْلا تُصَدِّقُونَ ثم يستقر
السياق على الأمر الأول في السورة فَسَبِّحْ أيها المؤمن، أو أيها الإنسان بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ عبادة له وتنزيها له عن قول هؤلاء؛ لتتحقق بالتقوى فتكون من المقربين أو من أهل اليمين، فكما خاطب مقطع الطريقين الناس جميعا داعيا لهم للعبادة للوصول إلى التقوى، فسورة الواقعة تخاطب الناس جميعا لتبعثهم على العبادة من خلال عرض حال الناس يوم القيامة، ومن خلال إقامة الحجة على الناس، ومن خلال الدلالة على باب من أبواب العبادة الموصلة إلى التقوى، وسنرى هذا شيئا فشيئا، فلنر تفصيل ما أعد الله للأصناف الثلاثة، وقد ابتدأ الله بتفصيل ما للسابقين، مع أنه تعالى ذكرهم آخرا لأنهم الأفضل.