فإنْ قلت: فما معنى المتوسِّطةِ بين الأفعالِ التي بعدها؟ قلت: للدلالة على أنه تأنَّى في التأمُّل ، وتمهَّل ، وكان بين الأفعالِ المتناسِقةِ تراخٍ وبُعْدٌ . فإن قلت: فلِمَ قال:"فقال"بالفاءِ بعد عطفِ ما قبلَه ب ثم؟
قلت: لأنَّ الكلمةَ لَمَّا خَطَرَتْ ببالِه بعد التطلُّب لِم يتمالَكْ أَنْ نَطقَ بها مِنْ غيرِ تَثَبُّتٍ . فإنْ قلتَ: فلِمَ لَمْ يَتَوَسَّطْ حرفُ العطفِ بين الجملتَيْن؟ قلت: لأنَّ الأخرى جَرَتْ مِن الأولى مَجْرى التوكيدِ من المؤكَّد .
سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (26)
قوله: {سَأُصْلِيهِ سَقَرَ} : هذا بدلٌ مِنْ قولِه: {سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً} قاله الزمخشري . فإنْ كان المرادُ بالصَّعودِ المشقةَ فالبدلُ واضحٌ ، وإنْ كان المرادُ صخرةً في جهنَم ، كما جاء في بعضِ التفاسير ، فيَعْسُرُ البدلُ ، ويكون فيه شَبَهٌ مِنْ بَدَلِ الاشتمالِ ؛ لأنَّ جهنمَ مُشْتَمِلةٌ على تلك الصخرةِ .
لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ (28)
قوله: {لاَ تُبْقِي} : فيه وجهان ، أحدُهما: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال ، والعامل فيها معنى التعظيمِ ، قاله أبو البقاء ، يعني أنَّ الاستفهامَ في قولِه ما سَقَرُ؟ للتعظيم فالمعنى: استعظموا سَقَرَ في هذه الحال . ومفعول"تُبْقي"و"تَذَرُ"محذوفٌ ، أي: لا تُبقي ما أُلْقي فيها ، ولا تَذَرُهُ ، بل تُهْلِكُه . وقيل: تقديرُه لا تُبْقي على مَنْ أُلْقي فيها ، ولا تَذَرُ غايةَ العذابِ إلاَّ وَصَلَتْه إليه . والثاني: أنها مستأنفةٌ .
لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (29)