[فَرْضُ الْكِفَايَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَبَاحِثُ]
الْأَوَّلُ: فِي حَقِيقَتِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ السِّيَرِ هُوَ كُلُّ"مُهِمٍّ"دِينِيٍّ يُرَادُ بِهِ حُصُولُهُ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ"عَيْنُ"مَنْ يَتَوَلَّاهُ، فَخَرَجَ بِالْقَيْدِ الْأَخِيرِ فَرْضُ الْعَيْنِ، قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمَعْنَاهُ أَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ"دِينِيَّةٌ"وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يَنْتَظِمُ الْأَمْرُ إلَّا بِحُصُولِهَا"فَقَصَدَ"الشَّارِعُ تَحْصِيلَهَا وَلَا يَقْصِدُ تَكْلِيفَ"الْوَاحِدِ وَامْتِحَانَهُ"بِهَا، بِخِلَافِ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ فَإِنَّ الْكُلَّ مُكَلَّفُونَ بِهَا مُمْتَحَنُونَ بِتَحْصِيلِهَا. وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ وَدُنْيَوِيَّةٌ لَا يُوَافِقُ الْغَزَالِيُّ، فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْحِرَفَ وَالصِّنَاعَاتِ وَمَا بِهِ قِوَامُ"الْمَعَاشِ"لَيْسَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، لَكِنَّ الْمُرَجَّحَ خِلَافُهُ.
الثَّانِي: يَنْقَسِمُ إلَى دِينِيٍّ وَدُنْيَوِيٍّ: الْأَوَّلُ الدِّينِيُّ"وَهُوَ"ضَرْبَانِ: مَا يَتَعَلَّقُ بِأُصُولِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ.
فَالْأَوَّلُ:"الْقِيَامُ"بِإِقَامَةِ الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى إثْبَاتِ الصَّانِعِ وَمَا يَجِبُ لَهُ مِنْ الصِّفَاتِ وَمَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَإِثْبَاتِ"النُّبُوَّاتِ"، وَدَفْعِ الشُّبَهِ وَالْمُشْكِلَاتِ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إقَامَةِ الْقَهْرِيَّةِ بِالسَّيْفِ.
وَالثَّانِي: كَالِاشْتِغَالِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ مِنْ تَفْسِيرٍ وَحَدِيثٍ وَفِقْهٍ، وَالتَّبَحُّرِ فِي ذَلِكَ وَفِي الْحَدِيثِ «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقَالَ"الْحَافِظُ الْمَزِيُّ"لَهُ طُرُقٌ يَبْلُغُ بِهَا دَرَجَةَ الْحَسَنِ.
"وَعَدَّ"الشِّهْرِسْتَانِيّ"فِي كِتَابِ الْمِلَلِ وَالنِّحَلِ الِاجْتِهَادَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ،"قَالَ": حَتَّى لَوْ اشْتَغَلَ بِتَحْصِيلِهِ وَاحِدٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ الْجَمِيعِ، وَإِنْ قَصَّرَ فِيهِ أَهْلُ عَصْرٍ عَصَوْا بِتَرْكِهِ وَأَشْرَفُوا عَلَى خَطَرٍ عَظِيمٍ، فَإِنَّ الْأَحْكَامَ الِاجْتِهَادِيَّةَ إذَا كَانَتْ مُرَتَّبَةً عَلَى الِاجْتِهَادِ"تُرَتَّبُ"الْمُسَبَّبُ عَلَى السَّبَبِ وَلَمْ يُوجَدْ السَّبَبُ كَانَتْ الْأَحْكَامُ عَاطِلَةً، وَالْآرَاءُ كُلُّهَا مُتَمَاثِلَةً، فَلَا بُدَّ"إذَنْ"مِنْ مُجْتَهِدٍ. انْتَهَى."
وَمِنْهُ:"الْقَضَاءُ وَالْفَتْوَى، قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي كِتَابِ نَهْجِ الشَّرِيعَةِ وَلَا يُسْتَغْنَى عَنْ الْفَقِيهِ الْمُفْتِي الْمَنْصُوبِ فِي النَّاحِيَةِ بِالْقَاضِي فَإِنَّ الْقَاضِيَ مُلْزَمٌ"مِنْ رَفْعٍ إلَيْهِ