وَلَك أَنْ تَقُولَ لِمَ لَا حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَلَعَلَّهُمْ بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ مِنْ بَابِ الْقِيَاسِ وَهُوَ لَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي حُكْمِ الدُّنْيَا لِعَدَمِ اطِّلَاعِنَا عَلَى خُلُوصِ التَّوْبَةِ أَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَاَللَّهُ عَالِمٌ بِالسَّرَائِرِ فَإِذَا عَلِمَ خُلُوصَ تَوْبَةِ عَبْدٍ لَمْ يُطَالِبْهُ لِمَا أَخْبَرَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ التَّوْبَةَ تَجُبُّ مَا قَبْلَهَا مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ لِذَلِكَ).
وَفِي أَمَالِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا قُلْنَا التَّوْبَةُ لَا تُسْقِطُ الْحَدَّ فَأَيُّ شَيْءٍ تُسْقِطُهُ قُلْنَا تُسْقِطُ الْإِثْمَ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ فَلَوْ مَاتَ بَعْدَ التَّوْبَةِ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الْحَدِّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ سِوَى التَّمْكِينِ مِنْ نَفْسِهِ عِنْدَ اطِّلَاعِ الْإِمَامِ عَلَيْهِ (فَإِنْ) لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ سَقَطَ شَرْطُ وُجُوبِ التَّمْكِينِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ قَوْلِنَا الْحُدُودُ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ أَرْبَعُ صُوَرٍ:
(إحْدَاهَا) إذَا زَنَى الذِّمِّيُّ ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَنَقَلَهُ فِي الرَّوْضَةِ فِي السِّيَرِ.
(ثَانِيهَا) قَاطِعُ الطَّرِيقِ إذَا قَتَلَ وَمَاتَ قَبْلَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ الْمُتَحَتِّمُ.
(ثَالِثُهَا) الْمُرْتَدُّ يَسْقُطُ حَدُّهُ بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ الْعَوْدُ (إلَى الْإِسْلَامِ) .
(رَابِعُهَا) تَارِكُ الصَّلَاةِ يَسْقُطُ حَدُّهَا بِالتَّوْبَةِ وَهِيَ (الْعَوْدُ) لِفِعْلِ الصَّلَاةِ كَالْمُرْتَدِّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْهُ وَغَلِطَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ كَيْفَ تَنْفَعُ التَّوْبَةُ فِيهِ لِأَنَّهُ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ رَدَّهُ لَا يَسْقُطُ الْقَطْعُ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ ظَنَّ أَنَّ التَّوْبَةَ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ أَصْلًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا ذَكَرْنَا.