وَمِنْ ذَلِكَ: لَوْ بَاعَ أَوْ اشْتَرَى أَوْ نَكَحَ أَوْ رَاجَعَ أَوْ طَلَّقَ هَازِلًا نَفَذَتْ وَصَحَّتْ، وَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْعُرْفِ لَا يَعُدُّونَهَا بَيْعًا وَشِرَاءً وَنِكَاحًا وَطَلَاقًا، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ حَكَمَ عَلَيْهَا بِالصِّحَّةِ فَفِي الْحَدِيثِ «ثَلَاثٌ جَدُّهُنَّ جَدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جَدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرَّجْعَةُ» ، وَنَبَّهَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالثَّلَاثِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا، وَأَوْلَى مِنْهَا (كَمَا) قَالَ تَعَالَى: {قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ} [التوبة: 65] {لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ} [التوبة: 66] فَمَنْ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَازِلًا، وَلَمْ يَقْصِدْ الْكُفْرَ كَفَرَ، وَكَذَا إذَا أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ (مَازِحًا) وَلَمْ يَقْصِدْ السَّرِقَةَ حَرُمَ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ جَادًّا وَلَا هَازِلًا» .
وَهُنَا تَنْبِيهٌ: وَهُوَ أَنَّهُ حَيْثُ قُدِّمَ الشَّرْعِيُّ عَلَى الْعُرْفِيِّ أَوْ اللُّغَوِيِّ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ عَلَى أَدْنَى الْمَرَاتِبِ (تَقْلِيلًا لِلنَّسْخِ) وَعَدَمِ (النَّقْلِ) ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَنْكِحُ سِرًّا فَنِكَاحُ السِّرُّ فِي اللُّغَةِ هُوَ: الْوَطْءُ سِرًّا دُونَ الْعَقْدِ، وَفِي الشَّرْعِ أَدْنَى مَرَاتِبِ (نِكَاحِ) السِّرِّ أَنْ يَكُونَ بِوَلِيٍّ وَشَاهِدَيْنِ، فَإِنْ عَقَدَ بِوَلِيٍّ وَثَلَاثَةِ شُهُودٍ خَرَجَ عَنْ نِكَاحِ السِّرِّ، وَلَمْ يَحْنَثْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ الدَّارِمِيِّ وَهُوَ حَسَنٌ (مُخَالِفٌ لِلسِّرِّ) فِي اللُّغَةِ؛ لِأَنَّ السِّرَّ لُغَةً مَا اطَّلَعْت عَلَيْهِ شَخْصًا وَاحِدًا.
وَيَخْرُجُ مِنْ هَذِهِ الْحَالَةِ قَاعِدَةٌ أُخْرَى: وَهِيَ أَنَّهُ إذَا كَانَتْ الْيَمِينُ تَقْتَضِي الْعُمُومَ، وَالشَّرْعُ يَقْتَضِي التَّخْصِيصَ، فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهَا أَمْ يَتَعَيَّنُ تَخْصِيصُ الشَّرْعِ؟ يُخَرَّجُ مِنْ كَلَامِهِمْ (فِيهَا وَجْهَانِ) ، وَالْأَصَحُّ: اعْتِبَارُ خُصُوصِ الشَّرْعِ.