فهرس الكتاب
وفي"رسالة"الأستاذ أبي القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري رحمه الله تعالى بإسناده عن ذي النون المصري رحمه الله تعالى قال: من علامات المحب لله متابعة حبيب الله - صلى الله عليه وسلم - في أفعاله، وأخلاقه، وأمره، وسننه.
قلت: وهو مأخوذ من قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ} [آل عمران: 31] .
والمعنى فيه: أن من أحب اللهَ أحبَّه اللهُ، فإذا تابع محبُّ الله حبيبَ الله فقد صدق في الحب، وصار هو - أيضا - حبيبَ الله.
وإن كان مخالفا لهم في كل أفعالهم، مبايناً لهم في كل أحوالهم، فهذا ليس منهم قطعاً، وعلى ذلك حمل الغزالي كلام الحسن، وكذلك يحمل عليه كلام الفضيل؛ لأن الظاهر أن محبة هذا مجرد دعوى، ومحضُ تَمَنٍّ، وهذا لا يقال فيه: (محبٌّ) حقيقة، بل: (مدعي المحبة) .
ويدل عليه: ما رواه الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى في كتاب"الزهد"عن الحسن أنه قال: يا ابن آدم! زعمت أنك تحب الصالحين، وتفر من أعمالهم، وتبغض الفجار، وأنت أحدهم!
وإن كان موافقا في البعض مخالفاً في البعض، فلا يخلو إما أن يخالفهم في أصل الإيمان، أو يوافقهم؛ فإن خالفهم في الإيمان فهذا ليس منهم قطعاً؛ لأنه - وإن توهم من قلبه محبتهم والميل إليهم - فقد باينهم في أصل الإيمان الذي هو عقيدتهم، وذلك عين العداوة، فأين المحبة؟ وأيُّ عداوة أشد من عداوة الدِّين؟ كما قيل: من البسيط
كُلُّ الْعَداواتِ قَدْ تُرْجَىْ مَوَدَّتُها ... إِلاَّ عَداوَةَ مَنْ عاداكَ فِيْ الدِّيْنِ
ومن هذا القبيل: محبة اليهود والنصارى لأنبيائهم.
وإن وافقهم في أصل الإيمان، وخالفهم في غيره من الطاعات ومكارم الأخلاق، فلا يخلو إما أن تكون مخالفته لهم في الطاعات والأخلاق والآداب رغبة عنها، وأَنَفَةً منها، ومحبة لما سواها، أو لا؛ فإن كان الأول فهذا - أيضاً - لا ينفعه أصل محبته لهم مع رغبته عن أخلاقهم وأوصافهم، ولا يلحقه بهم، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح:"مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِيْ فَلَيْسَ مِنِّيْ"؛ لأن رغبة هذا عن أخلاق من يدعي محبتهم، وإعراضه عن أوصافهم، دليل على أن محبته تلك لا حقيقة لها، وأنها مجرد دعوى.
وأنت فتأمل في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ} [آل عمران: 31] ؛ فإنه أثبت للمحبين ذنوباً تغفر، وهي ذنوب الخطأ والزلات، لا ذنوب القصد والمخالفات.
وفي الآية لطيفةٌ، وهي أنه سبحانه وتعالى جعل وجود المحبة مشروطاً بوجود الاتباع، لا بعدم المعصية.
قال وهب بن منبه: قال إبليس: يا رب! إن عبادك يحبونك ويعصونك، ويبغضوني ويطيعوني، فقال الله تعالى: إني قد غفرت لهم ما يعصوني بما أحبوني، وعفوت عما يطيعونك بما أبغضوك.
وروى الطبراني، والبيهقي في"شعب الإيمان"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ ذَنْباً يَعْتَادُهُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ، أَوْ ذَنْباً لا يَتْرُكُهُ حَتَّىْ يَمُوْتَ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ خُلِقَ خَطَّاءَ نسَّاءَ، فَإِذَا ذَكَرَ ذُكِرَ".
وروى البزار، والطبرانيُ - وحسنه ابن حجر في"أماليه"- عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"الْمُؤْمِنُ وَاهٍ رَاقِعٌ، وَسَعِيْدٌ"
مَنْ ماتَ عَلَىْ رُقْعَةٍ"."
وفي ذلك إشارة إلى أن المؤمن قد يقع منه المعصية على وجه الخطأ والنسيان، ولا يضره ذلك إذا مات على توبة وإحسان، كيف وقد قال الله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ} [طه: 115] .
ويؤخذ من ذلك أن نسيان العبد وعصيانه مظهر لكرم الله وإحسانه؛ إذ لولا معصية العبد لما ظهر وصف العفو والحلم والعدل ونحوها.
ومن ثَمَّ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"وَالَّذِيْ نَفْسِيَ بِيَدهِ، لَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَذَهَبَ اللهُ بِكُمْ، وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ، وَيَسْتَغْفِرُوْنَ اللهَ، فَيَغْفِرَ لَهُمْ". رواه الإمام أحمد، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
ولنا في هذا المقام: من السريع
إِذا عَصَيْنا اللهَ عَنْ زَلَّةٍ ... عُدْنا إِلَى خالِصِ غُفْرانِهِ
وإنْ نَسِيْنا عَهْدَهُ إِنَّمَا ... نِسْياننُا مُظْهِرُ إِحْسانِهِ
وَلَمْ نُعانِدْهُ بِعِصْيانِنا ... مُذْ مُلِئَ الْقَلْبُ بِإِيْمانِهِ
* تَتِمَّة:
مقتضى قوله - صلى الله عليه وسلم:"الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ": أن المتحابين في الله
متى كان أحدهما أرفع من الآخر مقاماً لحق به.
ثم له فائدة أخرى في التحاب، بل لهما إذا تحابا في الله - وهما مقصران في الطاعة - في التحاب هذه الفائدة العظيمة، وهي ما رواه أبو نعيم عن سلمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أَنا شَفِيْعٌ لِكُلِّ أَخَوَيْنِ تَحابَّا فِي اللهِ مِنْ مَبْعَثِي إِلَى يَومِ الْقِيامَةِ".
ولا شك أن الشفاعة إنما تكون لمن قصرت به أعماله.