فهرس الكتاب

الصفحة 107 من 218

{وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ ...(133)}

المسابقة في دار الدنيا بالأعمال إنما تظهر ثمرتها في دار القرار، ولذلك قال تعالى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ} لأنَّ المسارعة في الخيرات المشهودة في دار الدنيا إنما هي مسارعة إلى اتباع الخيرات، وثوابه في دار الآخرة.

ولقد أحسن صاحب"المنفرجة"في قوله: من المتدارك

وَرِضًا بِقَضاءِ اللهِ حِجًى ... فعلى مركوزته فَعِج

وَإِذا انْفَتَحَتْ أَبْوابُ هُدًى ... فَاعْمَلْ لخزائنها وَلِجِ

وَإِذا حاوَلْتَ نِهايَتَها ... فَاحْذَرْ إِذْ ذاكَ مِنْ العَرَجِ

لِتَكُوْنَ مِنَ السُّبَّاقِ إِذا ... ما سِرْتَ إلى تلك الْفَرَجِ

فَهُناكَ الْعَيْشُ وَبَهْجَتُه ... فَلِمُنتَهِجٍ وَلِمُبتَهِجِ

واعلم أن طريق السبق مفتوح لطالبيه إلى يوم القيامة، إلا أنه الآن مهجور لا يرى عليه إلا الأفراد، فسلوكه غير ممتنع - وإن كان عسراً خطراً - إلا إنَّه يسير على من يسره الله تعالى له، آمن لمن صحب فيه المؤمن المهيمن، فلكل طالب - وإن تأخر زمانه - نصيب مما طلب.

وقد روى الحكيم الترمذي في"نوادره"، وأبو نعيم عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"فَي كُلِّ قَرْنٍ - وفي رواية: لِكُلِّ قَرْنٍ - مِنْ أُمَّتِيْ سَابِقُوْن".

وهذا السبق - وإن كان عاماً في السبق في أمور الدنيا، وغيرها - إلا أنه شامل للسبق في أمور الآخرة، بل هو أولى بالقصد، مع أن لهذا الحديث شواهد كثيرة صحيحة كحديث:"لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرَيْنَ عَلَى الْحَقِّ".

فالتشبه بالسابقين طريق الأقوياء المبشرين، وكلما أظلم الوقت كلما ظهر لهم السبق في السبق، وعظم لهم الأجر والثواب لأن الأجر على قدر المشقة.

وحقيقة السبق أن تبادر إلى كل عمل صالح فتأخذ في أفضله وأكمله وأتمه، وإذا كان ذا وقت كنت أسبق الآخذين فيه إلى أول الوقت كما قيل: من الوافر

إِذا هَبَّتْ رِياحُكَ فَاغْتَنِمْها ... فَعُقبى كلِّ خافِقَةٍ سُكُوْن

وَإِنْ دَرَّتْ نِياقُكَ فَاحْتَلِبْها ... فَما تدْرِيْ الْفَصِيْلُ لِمَنْ يَكُوْن

وروى الإمام أحمد في"الزهد"، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله عنها: أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"أتدْرُوْنَ مَنِ السَّابِقُوْنَ إِلى ظِلِّ اللهِ عز وجل؟ الَّذِيْنَ إِذَا أُعْطُوْا الْحَقَّ قَبِلُوْه، وَإذَا سُئِلُوْهُ بَذَلُوْهُ"وَحَكَمُوا للنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لأَنْفُسِهِم"."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت