{إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) }
فانظر كيف استوجب هؤلاء هذا الوعيد الشديد بمجرد تكثير سواد المشركين، ووقوفهم معهم مع اعتذارهم باستضعافهم واستهانتهم لمَّا كانت الهجرة ممكنة لهم، والمفارقة سائغة منهم، على أنه لم يثبت أنهم ساعدوا المشركين في قتالهم إلا بمجرد الوقوف معهم، وتكثير سوادهم، فما ظنك بمن يتشبه بالمشركين والفاسقين!
وممَّا يدل على أن مجرد تكثير سواد الفاسقين موجب للحاق بهم:
ما رواه الطبراني - ورجاله رجال الصحيح إلا ابن لَهيعة، وحديثه لا بأس به - عن خَرَشَة بن الحُرِّ - وكان من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا يَشْهَدْ أَحَدُكُمْ قَتِيْلاً، فَعَسَىْ أَنْ يُقْتَلَ مَظْلُوْماً، فتَنْزِلَ السَّخْطَةُ عَلَيْهِمْ، فَتُصِيْبَهُ مَعَهُمْ".
فليس في هذا الحديث أن السخطة أصابته معهم إلا من حيث إنه شهد معهم قتل القتيل، وكثر سوادهم، ولم يباشر القتل؛ فما ظنك بمن يباشر القتل أو غيره من الفسوق، ويشارك أهله فيه، ويتشبه بهم!
ومن ثَمَّ جاء النهي عن مصاحبة الفسَّاق ومجالستهم.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"لا تُجَالِسُوْا أَهْلَ القَدَرِ ولا تُفَاتِحُوهُمْ".
وقال عمر - رضي الله عنه - في كلام له رواه عنه ابن أبي شيبة في"المصنف"، وأبو نعيم في"الحلية"، والأصفهاني في"الترغيب"، وغيرهم:
ولا تصحب الفاجر فتتعلم من فجوره.
وقال علي رضي الله تعالى عنه، فيما رواه عنه الخطابي في"العزلة"، وأبو عبد الرحمن السلمي في"آداب الصحبة": من الهزج
وَلا تَصْحَبْ أَخَا الْجَهْلِ ... وَإِيَّاكَ وإيَّاهُ
فَكَمْ مِنْ جاهِلٍ أَرْدَىْ ... حَلِيْماً حِيْنَ واساهُ
يُقَاسُ الْمَرْءُ بِالْمَرْءِ ... إِذا ما هُوَ ماشاهُ
وَلِلْقَلْبِ عَلَىْ الْقَلْبِ ... دليْلٌ حِيْنَ يَلْقاهُ
وَلِلْمَرْءِ عَلَىْ الْمَرْءِ ... مَقايِيْسٌ وَأَشْباهُ
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في"الزهد"، والامام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن حبَّان في"صحيحه"، والحاكم في"مستدركه"
عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"لا تُصاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِناً، وَلا يَأْكُلْ طعامَكَ إِلَّا تَقِيٌّ".
وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"الْمَرْءُ عَلَىْ دِيْنِ خَلِيْلِهِ".