فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 218

{وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ...(157)}

وقال الله تعالى بعد ذكر عيسى عليه السلام: {وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ} [النساء: 157] .

فقد فسر بعض العلماء الشك بالجهل.

والمختلفون في عيسى عليه السلام اليهود والنصارى معاً؛ فإنه عليه السلام لما ألقي شبهه على رجل من اليهود أو من غيرهم على الروايتين، ورفع اختلف اليهود فيه، فمنهم من قال: قتلنا عيسى.

ومنهم من قال: إن كنتم قتلتم عيسى فأين صاحبكم؟

ومنهم من قال: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبكم.

واختلف فيه النصارى فقالوا: المصلوب ناسوت عيسى، وأما لاهوته فرفع.

وقال بعضهم غير ذلك.

فالوصف بالجهل وقع على الطائفتين قبحهما الله تعالى.

قال الدميري في"حياة الحيوان": ولله درُّ أبي منصور موهوب الجواليقي إمام المقتفي لما دخل عليه أول دخلة قال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.

فقال له الطبيب هبة الله بن صاعد ابن التلميذ النصراني: ما هكذا يُسلم على أمير المؤمنين يا شيخ.

فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين! سلامي ما جاءت به السنة النبوية.

وروى له خبراً في صورة السلام، ثم قال له: يا أمير المؤمنين!

لو حلف حالف أن يهودياً أو نصرانياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المعتبر لما لزمته كفارة الحنث؛ لأن الله تعالى ختم على قلوبهم، ولن يفك ختمه إلا الإيمان.

فقال: صدقت وأحسنت.

فكأنما ألقم ابن التلميذ بحجر.

وفي"الكشاف": عن علي - رضي الله عنه: أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه.

قال: قلتم: اجعل لنا إلها، ولمَّا تجف أقلامكم.

وهذا أورده علي رضي الله تعالى عنه على وجه الجدل تبكيتاً باليهود، ومقابلة له بمثل ما اعترض به، وليس فيه تسليم لاعتراضه؛ فإنَّ اختلاف هذه الأمة بعد نبيها - صلى الله عليه وسلم - رحمة، ومنشأه العلم المقتضي للاهتمام بأمر الخلافة ونحوها من أمور الدين ليقع على السداد.

وأمَّا قول بني إسرائيل: يا موسى (اجعل لنا إلهًا) وأقلامهم لم تجف من حوض البحر المفروق لهم، وقد شاهدوا انطباق البحر عقبهم على أعدائهم لم يبق بعده من الجهل شيء.

هذا ونبيهم بين ظهرانيهم.

وأمَّا اختلاف هذه الأمة فما كان إلا بعد نبيهم، ما كان إلا في طلب الحق، كل منهم مجتهد في طلبه، وهم مجمعون على اعتقاد التوحيد والإخلاص والصدق.

* فائِدَةٌ:

روى أبو نعيم في"الحلية"عن محمد بن منصور الطوسي رحمه الله تعالى قال: ست خصال يُعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعظمة في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، ولا يعرف صديقه من عدوه.

وقد قلت في عقد ذلك: من السريع

عَلامَةُ الْجاهِلِ سِتٌّ بِها ... تُمَيِّزُ الْجاهِلَ مِنْ عاقِلِ

كَلامُهُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ كَما ... يَغْضَبُ لا عَنْ مُوجِبٍ حاصِلِ

أَسْرارُهُ تُفْشَى لَهُ مَؤْثِقٌ ... بِمَنْ يَرى فِي النَّائِبِ النَّازِلِ

وَلا صَدِيْقاً مِنْ عَدُوٍّ دَرى ... فَلا تَسَلْ عَنْ حالِهِ الْحائِلِ

تَعاظَمَ يَبْدُو عَلَى نَفْسِهِ ... فِي مَوْضعٍ لَمْ يَكُ بِالْقابِلِ

وسيأتي فصل مستقل في النهي عن التشبه بالجاهلين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت