فهرس الكتاب

الصفحة 106 من 218

{لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) }

ثم قال تعالى مرغَّباً في هذه التجارة، وحاثًّا عليها بأرشق عبارة: {وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران: 115] .

وفي قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (44) } [التوبة: 44: إشارة إلى أن عماد هذه التجارة الإخلاص فيها والصِّدق، اللذان هما عبارة عن التقوى؛ لأن التقوى محلها القلب، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث رواه مسلم:"التَّقْوَىْ هَاهُنا"، وأشار إلى صدره الذي هو هيكل قلبه، ولا شك أن الإخلاص والصدق هما عمدة الأفعال القلبية التي مبنى الصلاح عليها، كما قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث"الصحيحين":"أَلا إِنَّ فِيْ الْجَسَدِ مُضْغَةً، مَتَىْ صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ".

ولذلك كان من أسئلة الصالحين طلب إصلاح القلوب.

روى ابن أبي الدنيا في كتاب"المنامات"عن صالح المُرِّي رضي الله تعالى عنه قال: كنت أقول: اللَّهُمَّ لك الحمد، وإليك المشتكى، وأنت المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فناداني منادٍ من ناحية البيت: يا صالح! زدنا فيها: اللهم إليك أشكو فساد قلبي، وإياك أستعين على صلاحه.

وروى الحاكم في"تاريخ نيسابور"عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ أَحْسَنَ فِيْما بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللهِ، كَفاهُ اللهُ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَمَنْ أَصْلَحَ سَرِيْرَتَهُ أَصْلَحَ اللهُ عَلانِيَتَهُ".

وروى ابن أبي الدنيا في"الإخلاص"عن مَعْقِل بن عبيد الله الجَريري رحمه الله تعالى قال: كانت العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض: من أصلح سريرته أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين النَّاس، ومن اهتم بأمر آخرته، كفاه الله أمر دنياه.

وروى الإمام أحمد في"الزُّهد"عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: لكل امرئ جَوَّانِيٌّ وبَرَّانِيٌّ؛ من يصلح جَوَّانِيَّهِ يصلح الله بَرَّانِيَّهِ، ومن يفسد جَوَّانِيَّهِ يفسد الله بَرَّانِيَّهِ.

وروى الحكيم الترمذي في"نوادر الأصول"عن بُريد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ صالحٌ تَحَنَّنَ اللهُ عَلَيْهِ".

والمعنى: أن العبد إذا حاول إصلاح قلبه وسريرته، تحنَّن الله تعالى عليه، فوفَّقه لإصلاح أعماله وعلانيته، ثم هو في إصلاح قلبه لا حول له ولا قوة إلا بربه.

والحنان - كما في"القاموس": الرحمة، والرزق، والبركة.

وفسره ابن عباس، ومجاهد بالتعطف، كما رواه عبد بن حميد.

ونتيجة هذه المعاني كلها إذا أريدت في الحديث إصلاح الأعمال في الدنيا، وحسن الجزاء في الآخرة.

وروى ابن أبي الدُّنيا في"الإخلاص"عن سفيان قال: قال ابن عجلان رحمه الله تعالى: لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى به، والنية الحسنة، والإصابة.

قلت: ومعنى الإصابة: أن يصيب بعمله عملاً مأخوذاً به في الشرع، موافقاً للعلم على سَنَن السنة، فلا بد في الصالح أن يكون متبعًا للسنة، متجنبًا عن البدعة ومحدثات الأمور، وذلك من لازم التقوى أيضاً؛ فإن المبتدع لو جاء بطاعة نوح، وكرم إبراهيم، وفتوة يوسف، وتواضع موسى، وزهد عيسى، وحزن يعقوب، وصبر أيُّوب، وشكر سليمان، وتلاوة داود، وحكمة لقمان، لا يكون تقيًا، ولا صالحاً مَرْضِيًّا.

وقد روى اللالكائي في"السنة"عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: الاقتصاد في السنة، خيرٌ من الاجتهاد في البدعة.

فالتقوى أخص أوصاف الصالحين، وهي شرط في سائر أعمالهم، ولذلك لما ذكر الله تعالى مجملات أوصاف الصالحين، وأعمالهم بقوله تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113) } [آل عمران: 113] ، إلى آخره قال بعد ذلك: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران: 115] إشارة إلى ذلك.

ثم التقوى تنشأ عنها سائر الأعمال الصالحة؛ لأنها ترجع إلى صلاح القلب، وبصلاحه يصلح سائر الجسد، كما علمت من الحديث، فصلاح الجسد إنما يكون بالأعمال الصَّالحة، ومن ثَمَّ وصف الله الذين اتقوا بقوله: {الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (16) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 16 - 17] .

ووصف المتقين بقوله: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) } [البقرة: 3] ، إلى قوله: {وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) } [البقرة: 5] .

وقال تعالى بعد أن ذكر جملة من أعمال البر في قوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) } [البقرة: 177] .

وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} [آل عمران: 113] ، إلى قوله: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران: 115] .

وهذه الآية الكريمة ما أبقت من أفعال الصالحين وأخلاقهم شيئًا إلا جمعته، ولذلك لمَّا سئل جد جدي شيخ الإسلام؛ أبو نعيم أحمد

ابن عبد الله بن بدر الغزي: مَنِ الصالحون؟ أجاب بهذه الآية: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ (113) } [آل عمران: 113] الآية.

ونقل شيخ الإسلام الوالد في دروسه عن جماعة من أهل العلم لما وقفوا على ذلك قالوا: إنه استنباط في غاية الحسن مع البداهة، وسرعة الجواب.

قلت: وهو كذلك.

وقد أحببت أن أتكلم على هذه الآية هنا بما يناسب المقام:

فقوله تعالى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113) } [آل عمران: 113] أي: مستقيمة عادلة، من قولك: قَوَّمْتُ العود، فقام، واستقام، بمعنى.

والاستقامة والعدل أول أركان التجارة، وإلا فلا بركة فيها، بل هي ممحوقة، فلا بد أن يكون العبد مستقيماً على طريقة الشريعة، وإلا فإن تجارته بائرة، وصفقته خاسرة.

قال الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) } [هود: 112] ، أشار إلى أن الميل عن الاستقامة طغيان.

ولذلك قال تعالى: {وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (7) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (8) } [الرحمن: 7 - 8] ؛ أي: لا تميلوا عن العدل فيه والاستقامة.

وروى الدارمي عن عثمان بن حاضر الأزدي قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقلت: أوصني، قال: نعم، عليك بتقوى الله والاستقامة؛ اتبع ولا تبتدع.

وروى هو، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، عن سفيان الثقفي رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم: مرني بأمر في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك، قال:"قُلْ: آمَنْتُ بِاللهِ، ثُمَّ اسْتَقِمْ"، قلت: فما أتقي؟ فأومأ إلى لسانه.

وقيل لأبي حفص الحداد - رضي الله عنه: أي العمل أفضل؟ قال: الاستقامة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول:"اسْتَقِيْمُوْا، وَلَنْ تُحْصُوْا".

ثم الاستقامة والعدل إما أن يكونا منك مع الله تعالى، أو مع عباده، وكلاهما مطلوبان منك؛ لأنك إنما تعد من الصَّالحين بخروجك من حقوق الله، وحقوق عباده، ولا يكون ذلك إلا بالعدل والاستقامة.

وقد قال الزجَّاج - من علماء التفسير: الصالح هو القائم بما عليه من حقوق الله، وحقوق العباد.

وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الرَّبيع في قوله تعالى: {أُمَّةٌ قَائِمَةٌ (113) } [آل عمران: 113] ؛ قال: تقوم على كتاب الله، وحدوده، وفرائضه.

وقوله تعالى: {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) } [آل عمران: 113] ، فيه نص على أن من أعمال الصَّالحين كثرة التلاوة، وقيام الليل، وكثرة السجود.

أما تلاوة القرآن فلأنها أكثر ربحًا وفائدة، ومن شأن التاجر الصالح لرأس ماله، العارف بوجوه تنميته أن يُؤْثِر ما كان أكثر ربحًا، وأعظم كسبًا؛ فإن الحرف الواحد من القرآن يكتب به عشر حسنات.

روى الترمذي وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنةُ بِعَشْرِ أَمْثالِها؛ لا أَقُوْلُ: ألم حَرْفٌ، وَلَكِنْ: أَلِفٌ حَرْفٌ، وَلامٌ حَرْفٌ، وَمِيْمٌ حَرْفٌ".

وروى البيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنِ اسْتَمَعَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ ظاهِراً، كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسناتٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ عَشْرُ سَيَّئاتٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتابِ اللهِ فِيْ صَلاةٍ قاعِداً، كُتِبَتْ لَهُ خَمْسُوْنَ حَسَنَةً، وَمُحِيَتْ عَنْهُ خَمْسُوْنَ سَيِّئَةً، وَرُفِعَتْ لَهُ خَمْسُوْنَ دَرَجَة، وَمَنْ قَرَأَ حَرْفاً مِنْ كِتابِ اللهِ فِيْ صَلاةٍ قائِماً، كُتِبَتْ لَهُ مِئَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِئَةُ سَيَّئَةٍ، وَرُفِعَتْ لَهُ مِئَةُ دَرَجَةٍ، وَمَنْ قَرَأَهُ فَخَتَمَهُ، كُتِبَتْ لَهُ عِنْدَ اللهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ، مُعَجَّلَةً، أَوْ مُؤَخَّرَةٌ".

قال ابن الجوزي في"النشر": وروينا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: من قرأ القرآن لم يردَّ إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم

شيئًا، وذلك قوله تعالى: {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 5 - 6] قال: إلا الذين قرؤوا القرآن.

قلت: أخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي في"الشعب".

وهذا الأثر نص في أن تلاوة القرآن من أخص أعمال الصَّالحين، لا شبهة في ذلك.

وقوله تعالى في الآية السابقة في ذكر أوصاف الصالحين: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ (114) } [آل عمران: 114] ، هذا أصل أحوال الصَّالحين.

ولو جاء العبد بكل عمل صالح - وهو لا يؤمن بالله، أو يكذب باليوم الآخر - لا يقبل منه شيء.

قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (23) } [الفرقان: 23]

وقال تعالى: {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (1) } [محمد: 1] .

وقوله تعالى في الآية: {وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ (114) } [آل عمران: 114] ، لا شك أن من شأن التاجر المصلح النصيحة لإخوانه المؤمنين، ولا يخفى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أخص النصائح، بل هو من كمال الإيمان المؤسَّس عليه قواعد الصلاح.

قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"مَنْ رَأَىْ مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيَّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ؛ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيْمانِ". رواه مسلم، وغيره عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.

قال ابن الحاج في"المدخل": ورد أن موسى عليه السلام مر على قرية وقد أهلكها الله تعالى فقال: يا رب! كيف أهلكتهم وكنت أعرف منهم رجلاً صالحاً؟ فأوحى الله تعالى إليه: يا موسى! إنه لم يغيرْ لي منكرًا؛ أي: فلم يكمل صلاحه.

وروى الإمام عبد الله بن المبارك في"الزهد"عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: يذهب الصالحون، ويبقى أهل الرِّيَب، قالوا: يا أبا عبد الرَّحمن! ومن أهل الرِّيَب؟ قال: قوم لا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر.

وقوله تعالى: {وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (114) } [آل عمران: 114] ؛ اعلم أن من تمام صلاحية التاجر بماله أن يبادر إلى اقتناص الأرباح، والفوائد مهما سمع بها، وإلا فإن التهاون ربما فوَّت عليه أرباحاً كثيرة، على أن التأني مطلوب إلا في أعمال الآخرة؛ قال تعالى: {فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ (148) } [البقرة: 148] .

وقال تعالى بعد أن ذكر طائفة من الأنبياء عليهم السلام:

{إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ (90) } [الأنبياء: 90] ، والآيات في ذلك معروفة.

وقد قيل: من السريع

سَابِقْ إِلَىْ الْخَيْرِ وَبَادِرْ بِهِ ... فَإِنَّمَا خَلْفَكَ مَا تَعْلَمُ

وَقَدِّمِ الْخَيْرَ فَكُلُّ امْرِئٍ ... عَلَىْ الَّذِيْ قَدَّمَهُ يَقْدُمُ

والخيرات شاملة لسائر أعمال البر من صلاةٍ، وصيامٍ، وحجٍّ، وجهادٍ، وصدقةٍ، وصلةٍ، وإحسانٍ ... إلى غير ذلك، سواء كان فرضاً أو نفلاً.

ومنها التجنب عن سائر الأعمال القبيحات، قولاً وفعلاً ونية.

وهذا - أيضًا - مفهوم من الآية؛ لأنه من كمال الإيمان، وهو من أَجَلِّ الخيرات، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"اتَّقِ الْمَحارِمَ تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ". رواه الإمام أحمد، والترمذي، والبيهقي في"الشعب"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.

وقد علمت أن التقوى أخص أعمال الصَّالحين، وأي تقوى لمن لا يتقى المحارم، بل الشبهات؛ بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"لا يَبْلُغُ الْعَبْدُ أَنْ يَكُوْنَ مِنَ الْمُتَّقِيْنَ حَتَّىْ يَدَعَ ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِما بِهِ بَأْسٌ". رواه ابن ماجه، والترمذي، والحاكم وصححاه، من حديث

عطية السعدي رضي الله تعالى عنه.

وقال أبو العتاهية: من الطويل

إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَكْفُفْ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ ... فَلَيْسَ لَهُ مَا عاشَ مِنْهُمْ مُصَالِحُ

إِذَا كَفَّ عَبْدُ اللهِ عَمَّا يَضُرُّهُ ... وَأَكْثَرَ ذِكْرَ اللهِ فَالْعَبْدُ صَالِحُ

إِذَا الْمَرْءُ لَمْ يَمْدَحْهُ حُسْنُ فِعَالِهِ ... فَلَيْسَ لَهُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مادحُ

وروى ابن أبي الدنيا في كتاب"العقل"عن الضَّحَّاك بن مزاحم رحمه الله تعالى قال: ما بلغني عن رجل صلاح فاعتددت بصلاحه حتى أسأل عن خِلالٍ ثلاث، فإن تمت تم له صلاحه، وإن نقصت منه خصلة كانت وصمة عليه في صلاحه؛ أسأل عن عقله فإن الأحمق يفعل صلاحاً عنده ربما هلك وأهلك فِئَاماً من الناس؛ يمر بالمجلس فلا يسلم، فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا، ويترك عيادة

الرجل من جيرانه، فإذا قيل له، قال: من أهل الدنيا، ويدع الجنازة لا يتبعها لمثل ذلك، ويدع طعام أبيه يبرد، فإذا هو قد صار عاقًا.

قال: وأسأل عن النعمة العظيمة التي لا نعمة أعظم منها ولا أوضح؛ الإسلام، فإن كان أحسن احتمال النعمة، ولم يدخلها بدعة ولا زيغًا، وإلا لم أعتد به فيما سوى ذلك.

قال: وأسأل عن وجه معاشه، فإن لم يكن له معاش، لم آمن عليه أن يأكل بدينه، ولا آمن عليه أن تغلب عليه الشهوات فيأكل الحرام والشبهات؛ فأي خير بعد هذا؟

وروى الدينوري في"مجالسته"، والبيهقي في"شعبه"، والخطيب في"تاريخه"عن يحيى بن معين رحمه الله تعالى: أنه أنشد لنفسه: من الكامل

الْمَالُ يَذْهَبُ حِلُّهُ وَحَرَامُه ... يَوْماً وَيَبْقَىْ فِيْ غَدٍ آثامُهُ

لَيْسَ التَّقِيُّ بِمُتَّقٍ لإِلَهِهِ ... حَتَّىْ يَطِيْبَ شَرَابُهُ وَطَعَامُهُ

وَيَطِيْبَ مَا تَحْوِيْ وَتَكْسِبُ كَفُّهُ ... وَيَكُوْنَ فِيْ حُسْنِ الْحَدِيْثِ كَلامُهُ

نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ ... فَعَلَىْ النَّبِيَّ صَلاتُهُ وَسَلامُهُ

ومن أجمع الأحاديث لأعمال الصالحين: ما رواه الإمام الفقيه الزاهد الشيخ نصر المقدسي رحمه الله تعالى في كتاب"الحجة على تارك المحجة"عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يا ابْنَ سلامٍ! عَلَىْ كَمِ افْتَرَقَتْ بَنُوْ إِسْرائِيْلَ؟"قال: إحدى وسبعين فرقة، واثنتين وسبعين فرقة؛ كلهم يشهد بعضهم على بعض بالضلالة.

قالوا: أفلا تخبرنا يا رسول الله لو قد خرجت من الدنيا فتفرقت أمتك، على ما يصير أمرهم؟ فقال نبيُّ الله - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ تَفَرَّقُوْا عَلَىْ ما قُلْتَ، وَسَتَفْتَرِقُ أُمَّتِيْ عَلَىْ ما افْتَرَقَتْ عَلَيْهِ بَنُوْ إِسْرائِيْلَ، وَسَتِزْيُد فِرْقَةٌ واحِدَةٌ لَمْ تَكُنْ فِيْ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ".

قال ابن سلام: أفلا تدلنا على قوم ترضى لنا نخبرُ أولادنا، وتخبرُ أولادُنا أولادَهم، فنكون فيهم في آخر الزمان؟ قال - رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"انْظُرُوْا إِلَىْ قَوْمٍ يُصَلُّوْنَ الْخَمْسَ فِيْ جَماعَةٍ، وَيصُوْمُوْنَ رَمَضانَ، وَيَأْتُوْنَ الْجُمُعَةَ، وَيَعُوْدُوْنَ الْمَرِيْضَ، وَيُشَيِّعُوْنَ الْجَنائِزَ، جيْرانُهُمْ آمِنُوْنَ مِنْ أَيْدِيْهِمْ وَألسِنَتِهِمْ وَبَوائِقِهِمْ، فَتكُوْنُوْنَ مِنْ أُوْلَئِكَ؛ فَإِنَّهمْ قَوْمٌ صالِحُوْنَ".

قيل: يا رسول الله! ومن هم؟ قال:"الْمُتَّقُوْنَ".

وليس المراد أن الصالحين ليس لهم من الأخلاق والأعمال إلا ما ذكر؛ بدليل قوله آخرًا:"هُمُ الْمُتَّقُوْنَ"، وبدليل أنه وصفهم بإقامة الصَّلوات في الجماعة، وقد قال الله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ (45) } [العنكبوت: 45] .

وفي الحديث إشارة لطيفة، وهي أن هذه الخصال التي اشتمل الحديث عليها لا تجتمع في عبد إلا كان صالحًا موفقا في سائر أعماله، فعلامة صلاح العبد اجتماع هذه الخصال فيه؛ فافهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت