فهرس الكتاب

الصفحة 179 من 218

{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27)}

أي: لا يتقبل الله الأعمال إلا من المتقين.

فإذاً: التقوى في سائر الأعمال شرط لصلاحيتها؛ إذ لا يكون منها صالحًا إلا ما كان متقبلاً، ومن ثَمَّ لمَّا قيل لسفيان: أرى الناس يقولون: سفيان الثوري وأنت تنام الليل؟ فقال: اسكت! ملاك هذا الأمر التقوى.

أي: فإذا حَصَلت، كفى معها العمل القليل.

وقال فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه: لأن أكون أعلم أن الله تعالى يتقبل مني مثقال حبة من خردل، أحب إليَّ من الدنيا وما فيها؛ لأن الله تعالى يقول: {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27) } [المائدة: 27] . رواه ابن أبي الدُّنيا.

وروى أبو يعلى بسند جيد، عن الحكيم بن ميناء مرسلاً: أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"اجْمَعْ لِيْ مَنْ هَاهُنا مِنْ قُرَيْشٍ"، فجمعهم، ثم قال: يا رسول الله! أتخرج إليهم، أم يدخلون؟ قال:"بَلْ أَخْرُجُ إِلَيْهِمْ"، فخرج فقال:"يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَلْ فِيْكُمْ غَيْرُكُمْ؟"قالوا: لا إلا بنو أخواتنا، قال:"ابْنُ أُخْتِ الْقَوْمِ مِنْهُمْ"، ثم قال:"يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّ أَوْلَىْ النَّاسِ بِالنَّبيِّ الْمُتَّقُوْنَ؛ فَانْظُرُوْا! لا يَأْتِيْ النَّاسُ بِالأَعْمالِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَتأتُوْنَ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُوْنهَا فَأَصُدَّ عَنْكُمْ بِوَجْهِيْ"، ثم قرأ: {إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (68) } [آل عمران: 68] .

وروى البخاري في"الأدب المفرد"، والحاكم وصححه، عن رفاعة ابن رافع - رضي الله عنه: أن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعمر رضي الله تعالى عنه:"اجْمَعْ لِيْ قَوْمَكَ"، فجمعهم، فلما حضروا باب النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليه عمر، فقال: قد جمعتُ لك قومي، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - فقام بين أظهرهم، فقال:"هَلْ فِيْكُمْ مِنْ غَيْرِكُمْ؟"قالوا: نعم، فينا حليفنا، وابن أختنا، وموالينا، قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"حَلِيْفُنا مِنَّا، وَابْنُ أُخْتِنا مِنَّا، وَمَوْلانا مِنَّا، أَنتُّمْ تَسْمَعُوْنَ؟ إِنَّ أَوْلِيائِيَ مِنْكُمُ الْمُتَّقُوْنَ، فَإِنْ كُنْتُمْ أُوْلَئِكَ فَذاكَ، وَإلاَّ فَانْظُرُوْا! لا يَأْتِيْ النَّاسُ بِالأَعْمالِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَتَأَتُوْنَ بِالأَثْقالِ فُيُعْرَضَ عَنْكُمْ".

أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى أن شرف التقوى أولى من شرف النسب وكرم الحسب، وفي كتاب الله عز وجل: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) } [الحجرات: 13] .

وروى البخاري في"الأدب"أيضًا، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"إِنَّ أَوْلِيائِيَ يَوْمَ الْقِيامَةِ الْمُتَّقُوْنَ، وَإِنْ كانَ نسَبٌ أَقْرَبَ مِنْ نسَبٍ، فَلا يَأْتِينيْ النَّاسُ بِالأَعْمالِ، وَتأَتُوْني أَنْتُمْ بِالدُّنْيَا تَحْمِلُوْنَها عَلَى رِقابِكُمْ، فَتَقُوْلُوْنَ: يا مُحَمَّدُ! فَأَقُوْلُ هَكَذا وَهَكَذا: لا - وأعرض في كلا عطفيه -".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت