فهرس الكتاب
ودعوى العصمة للأئمة ليس لها سند من الشريعة والعقل ، فإنها ترفعهم فوق مستوى الأنبياء عليهم السلام . ولا نقول إن الأئمة جميعًا لا يصلون إلى درجة الأنبياء ، فهذا مسلم به ، وإنما نقول: إن جميع الأئمة ليس فيهم من يصل إلى منزلة الصديق والفاروق رضي الله عنهما باعتراف الإمام على نفسه كرم الله وجهه، فقد روى الإمام البخاري رضي الله عنه بسنده عن محمد بن الحنفية رضي الله عنه قال:"قلت لأبى: أي الناس خير بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟"
قال: أبو بكر . قلت: ثم من ؟ قال: ثم عمر". ( [307] ) "
قال ابن تيمية:"قد روى هذا عن على من نحو ثمانين طريقًا ، وهو متواتر عنه" ( [308] ) .
والواقع العملي للأئمة يتنافى مع هذه العصمة ، مثال ذلك أن الحسن رضي الله عنه هادن مع كثرة أنصاره ، والحسين رضي الله عنه حارب مع قلة من أنصاره ( [309] ) . فلو كان أحدهما مصيبًا ، كان الآخر مخطئًا ، أي غير معصوم ، ولا يمكن أن يكون الاثنان مصيبين . فلعل في هذا كله ما يكفى لدحض دعوى العصمة ، والله سبحانه يهدينا سواء السبيل .
العصمة:
الجديد في هذه المسألة عند المعاصرين هو أخذهم برأي المتأخرين من الشيعة في دعوى العصمة المطلقة للأئمة، والذي يمثل نهاية الغلو والشطط حيث إن هؤلاء يزعمون أن الأئمة لا يسهون ولا ينسون.
وهذا المذهب كان في نظر الشيعة في القرن الرابع بمثل الاتجاه الغالي المتطرف حتى اعتبر شيخهم ابن بابويه القمي - صاحب من لا يحضره الفقيه أحد أصولهم الأربعة المعتمدة - اعتبر علامة الغلو في التشيع هو نفي السهو عن الأئمة. وقال:"إن الغلاة والمفوضة لعنهم الله ينكرون سهو النبي صلى الله عليه وسلم.." [ابن بابويه/ من لا يحضره الفقيه: 1/234.] .
ومن ينكر سهو الأئمة أغرق في الغلو والتطرف.