الصفحة 16 من 50

ثالثًا؛ جواز حمل الواحد على العدد الكثير من العدو في الجهاد، وإن تيقن أو غلب على ظنه الهلكة

عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري قال: سمعت أبي وهو بحضرة العدو يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف) ، فقام رجل رث الهيئة، فقال: يا أبا موسى أنت سمعتَ رسول الله يقول هذا؟ قال: نعم، فرجع إلى أصحابه فقال: أقرأ عليكم السلام، ثم كسر جفن سيفه فألقاها، ثم مشى بسيفه إلى العدو، فضرب به حتى قتل [34] .

وقد سبق بيان الدلالة من هذا الحديث.

وعن أنس بن مالك قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه) ، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) ، قال عمير بن الحمام الأنصاري: يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟ قال: (نعم) ، قال: بخ بخ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قول؛ بخ بخ؟!) قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: (فإنك من أهلها) ، فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة! فرمي بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل [35] .

وعن جابر قال: قال رجل: أين أنا يا رسول الله إن قتلت؟ قال: (في الجنة) ، فألقى تمرات كن في يده فقاتل حتى قتل [36] .

ووجه الدلالة في هذا الحديث؛ أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة ألا يقاتلوا في بدر إلا صفا، وكان يسوي صدورهم بالرمح حتى لا يتقدم أحد على الصف، فلما سمع عمير ما سمع من فضل انطلق من الصف واقتحم على العدو وحده، فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك رغم أن الموت كان نتيجة فعله أمر محقق.

قال النووي رحمه الله: (فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهية فيه عند جماهير العلماء) [37] .

وعن أنس رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله أرأيت إن انغمست في المشركين فقاتلتهم حتى قتلت أإلى الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: (نعم) ، فانغمس الرجل في صف المشركين فقاتل حتى قتل [38] .

وعن عاصم بن عمر بن قتادة قال: لما التقى الناس يوم بدر قال عوف بن الحارث: يا رسول الله ما يضحك الرب من عبده؟ قال صلى الله عليه وسلم: (أن يراه غمس يده في القتال يقاتل حاسرا) ، فنزع درعه ثم تقدم فقاتل حتى قتل شهيدا [39] .

وفي الحديثين دلالة واضحة؛ على جواز الاقتحام على جموع الأعداء وإن علم المقتحم أنه مقتول، فقد انغمس الصحابيان رضي الله عنهما بإذن النبي وإقراره وكان أحدهما حاسرا، مع علمهما أنهما ولابد مقتولين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت