قال محمد بن الحسن الشيباني رحمه الله: (لا بأس أن يحمل الرجل وحده - أي على العدو - وإن ظن أنه يقتل إذا كان يرى أنه يصنع شيئا يقتل أو يجرح أو يهزم ... ) ، ثم قال: (فأما إذا كان يعلم أنه لا ينكي فيهم فإنه لا يحل له أن يحمل عليهم) .
قال السرخسي في التعليق على ما سبق: (فالشرط؛ أن تكون حملته تنكي فيهم ظاهرا) [54] .
ونقل عنه الجصاص رحمه الله: (إن رجلا لو حمل على ألف رجل وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية؛ فإنني أكره له ذلك، لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين، وإنما ينبغي للرجل أن يفعل ذلك إذا كان يطمع في نجاة أو منفعة للمسلمين، فإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه يجرئ المسلمين بذلك حتى يفعلوا مثل ما فعل؛ فلا بأس بذلك إن شاء الله، لأنه لو كان على طمع من النكاية في العدو ولا يطمع في النجاة لم أر بأسا أن يحمل عليهم، فكذلك إن طمع أن ينكي غيره فيهم بحملته عليهم فلا بأس بذلك، وأرجو أن يكون فيه مأجورا، وإنما يكره له ذلك إذا كان لا منفعة فيه على وجه من الوجوه، وإن كان لا يطمع في نجاة ولا نكاية ولكنه مما يرهب العدو فلا بأس بذلك، لأن هذا أفضل النكاية وفيه منفعة للمسلمين) انتهى.
قال الجصاص: (والذي قال محمد من هذه الوجوه صحيح لا يجوز غيره ... ) .
إلى أن قال: (فأما إذا كان في تلف نفسه منفعة عائدة على الدين، فهذا مقام شريف مدح الله به أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيَقتلون ويُقتلون} ، وقال: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون} ، وقال: {ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله} ، في نظائر ذلك من الآي التي مدح الله فيها من بذل نفسه لله) [55] اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (روى مسلم في صحيحه قصة أصحاب الأخدود، وفيها؛ أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين، ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره، كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى) [56] اهـ.
ونقل عنه المرداوي في"الإنصاف": (وذكر الشيخ تقي الدين أنه يُسن انغماسه في العدو لمنفعة المسلمين، وإلا نُهي عنه وهو من التهلكة) [57] اهـ.
وقال ابن حجر رحمه الله: (وأما مسألة حمل الواحد على العدد الكثير من العدو؛ فصرح الجمهور بأنه إن كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك أو يجرئ المسلمين عليهم أو نحو ذلك من المقاصد، الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، ولا سيما إذا ترتب على ذلك وهنٌ بالمسلمين، والله أعلم) [58] اهـ.
وقد سبق قوله في قصة أنس بن النضر.